السبت، 17 أغسطس 2013

شيزوفرينيا المصريين وديمقراطية الانقلاب العسكري




نعم، أنا من مؤيدي المسار الديمقراطي وضرورة الالتزام به وعدم الخروج عنه، لكني لا أؤيد عودة الرئيس المعزول (شعبيا) محمد مرسي لأن المسار الذي كنا نتجه إليه خلال فترة حكمه كان يقوض أركان الدولة المصرية التي نفخر دائما بأنها تمتد لأكثر من خمسة آلاف عام.



نعم، أرفض الانقلابات العسكرية وأرى فيها إهدارا لحقوق الإنسان الفردية والجماعية واعترف بأن ما حدث في مصر انقلابا عسكريا مكتمل الأركان، لكني أؤيده وبقوة وأرى أنه حظي بدعم شعبي اعطاه القوة الشرعية وأعاد البلاد إلى مربع الشرعية الثورية التي تحكم بالحسم وبقوة القانون وأؤمن أننا كنا بحاجة شديدة إليها حماية لمستقبل أبنائنا وعودة لحُلم جميل راود أغلب المصريين حين هبوا بثورتهم في الخامس والعشرين من يناير 2011.

نعم، أنا مع حق الاعتصام تعبيرا عن الرأي ورفضا للسياسات القائمة، لكني أرفض وبقوة أن يؤدي هذا الاعتصام إلى قطع الطريق وترويع الآمنين، وكاذب من يقول أنه يوجد ترحيب من سكان تلك المناطق بهؤلاء المعتصمين الذين حتى ولو لم يمتلكوا بنادق اوتوماتيكية ورشاشات آلية إلا أنهم امتلكوا ما هو أخطر والمتمثل في سلاح الخوف والرعب الذي بثوه بمهارة وجدارة في قلوب غالبية المصريين الذين صاروا يتخوفون من أي مظاهرة حتى ولو سلمية ليقينهم بما يحدث فيها وبسببها.

هل ما أفعله بموقفي هذا أترجم حالة من حالات (schizophrenia) التي أعيشها ويعيشها معظم المصريين هذه الأيام؟.. ربما لكنها schizophrenia مقبولة وبصراحة لا اعتقد أنها تدين من يعانيها، فالمبدأ واحد: حين تتعارض الديمقراطية مع المصلحة الشعبية وكيان الدولة الواحدة فمعنى ذلك أن المسار الذي نسير فيه خطأ ويجب تصحيحه حتى ولو بالقوة.

وبمناسبة الحديث عن (القوة)، اعتقد أن من مهارات القيادة أن يُحسن القائد تقدير قوته كما يحسب بدقة قوة خصمه وربما يكون ذلك ترجمة دقيقة للقاعدة الشرعية (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، ولهذا كان الأخوة السلفيون يرفضون الخروج على الحاكم، حتى ولو كان ظالما، خوفا من إراقة الدماء. وبدون فذلكة سياسية هذا بالفعل ما استند إليه الرئيس الأسبق أنور السادات في حرب السادس من أكتوبر حين قبل إيقاف الحرب بمجرد دخول الولايات المتحدة لمناصرة إسرائيل وقال يومها قولته الشهيرة (لا قبل لي بمحاربة أمريكا).

تقدير القوة وحساباتها مغيب تماما عن قادة المرحلة الحالية، الذين لفرط إحساسهم بجُرم ما حدث لهم فقدوا توازنهم وإدراكهم السياسي لحقائق القوة على الأرض واعتقدوا أنهم قادرون على مواجهة (دولة) حتى ولو كان الحق معهم، فالحق بدون قوة لن يجلب إلا مزيدا من العنف سواء كان صادرا مني أو من دخلاء هدفهم تشويه سلمية معارضتي.

أتمنى من كل المصريين تقدير الأمور تقديرا صحيحا وعدم الانجراف وراء الهوى، فنحن هذه الأيام لا نرى ونسمع إلا ما نحب أن نرى ونسمع وبعدها نعتقد أن هذه هي الحقيقة كاملة بينما ما رأيناه أو سمعناه هو جزء من الحقيقة وأكاد أجزم أن لا أحد يمتلكها أو يعرفها، لذلك علينا العودة إلى القاعدة الديمقراطية الأصيلة التي استنها لنا الإمام الشافعي (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب) فالحقيقة الكاملة لا وجود لها وهذا ما يوجب علينا قبول الآخر والاعتراف بما يمتلك كجزء من الحقيقة فلربما بحوارنا المشترك نصل إلى الحقيقة المجردة، وإن كان هذا حُلم يصعب تحقيقه مع وجود هذا الإعلام (الكاذب) الذي يحيط بنا من كل جانب، لكن علينا ألا نفقد الأمل فسيبقى في نهاية النفق بصيص من نور وعليه وبالأمل نعيش ونحيا.   

ليست هناك تعليقات: