من بين أخبار
صباح اليوم (الثلاثاء- 13-8-2013) استوقفني هذا الخبر "داعية سلفي: من يشكك
في عودة مرسي "يشكك في ربنا"، الخبر منشور على موقع العربية السعودي أي أنه
مؤكد وصحيح وغير مفبرك، ومنسوب إلى مصدره (الشيخ فوزي السعيد) ومحدد الزمان (مساء
الأحد 11-8-2013) ومحدد المكان (منصة رابعة العدوية) مقر اعتصام مؤيدو الرئيس
المعزول محمد مرسي من الإخوان المسلمين ومناصريهم.
لا شبهة إذن في
الخبر، ولا اعتقد أنه سيخرج من ينفيه لأنه يأتي في سياق المشهد العام المحيط بمقر
اعتصام الإخوان في رابعة العدويه، فالملائكة والقديسين يحيطون بالمكان من كل جانب،
وسبق أن أخبرنا واحد من دعاتهم بأن سيدنا جبريل يصلي معهم، كما أنهم يتبركون حاليا
من بقعة دماء سالت من أحد المعتصمين على الأرض أمام قبر الجندي المجهول وضريح
الرئيس الأسبق محمد أنور السادات في معركة المنصة الشهيرة، وهذه البقعة هي
بالمناسبة قريبة جدا من المكان الذي قتل فيه السادات برصاص أحد شركائهم، ويقال أن
هذه البقعة تخرج يوميا كمية لا بأس بها من (المسك) الذي يتطيب به شيوخ المعتصمين
ويدهنون به لحاهم.
واستمرارا لهذا
المشهد المقدس، جاء الشيخ فوزي السعيد أحد شيوخ السلفية الكبار الذي يستمع لخطبته
آلاف المسلمين من كل حدب وصوب، وأعلن من فوق منصة رابعة العدوية أن من يشكك في
عودة الرئيس المعزول محمد مرسي لمنصبه يشكك في الله، واصفًا مرسي بأنه "هدية
من الله".، وأقسم الداعية "السعيد" بالله على أن
مرسي عائد لمنصبه، وأنه مستعد أن يحلف بالطلاق 360 مرة على عودة المعزول،
و"اللي يشك في عودة مرسي فهو يشك في ربنا، لأنه هو اللي جبنا هنا في رابعة
العدوية".!!!
وخطاب السعيد
الذي ألهب مشاعر الحاضرين فتفاعلوا معه بالهتافات (المليونية) ليس هو الأول من
نوعه، بل سبق وتكررت القصص الغريبة والخطابات التي تؤيد مرسي باستخدام المشاعر
الدينية حيث خرج الشيخ أحمد عبدالهادي وهو من وعاظ جماعة الإخوان المسلمين، على
المعتصمين قبل نحو شهر ليؤكد أن مرسي مؤيد برؤيا لأحد الصالحين، وقال عبدالهادي إن
بعض الصالحين في المدينة المنورة أبلغه برؤيا أن جبريل عليه السلام دخل في مسجد
رابعة العدوية ليثبت المصلين، وأنه أيضا رأى مجلساً فيه الرسول صلى الله عليه
وسلم، والرئيس مرسي والحضور، فحان وقت الصلاة، فقدّم الناس الرسول ولكن الرسول
قدّم مرسي.
وبعيدا عن
الشرعية والانقلاب وتحليل ما حدث أو توصيفه أو رفضه أو تأييده، اتوقف فقط أمام
الخطاب الموجهة للجماهير المحتشدة ومنه سنعرف كيف يتم استمالتها ثم توجيهها وحثها
على البقاء وعدم المغادرة، ونحن في ذلك أمام مجموعة من الحقائق التي لا يختلف
عليها اثنان
·
أن غالبية
الجموع المعتصمة من متوسطي الثقافة إن لم يكن من معدومي الثقافة، وبالتالي فإن
التأثير عليهم سيأتي من خلال دغدغة المشاعر وسيكون الخطاب الموجه إليهم خطابا
عاطفيا أكثر من كونه عقلانيا يعتمد على الحقائق.
·
أن هناك تباينات
واضحة بين فئات المعتصمين، فمنهم من آتي بوعي كامل وإدراك لحقيقة ما حدث لكن
غالبيتهم لا تعرف إلا ما يقال لها، بل وربما لا تفهمه ولا تعيه لكنها تتحرك بدافع
الحاجة سواء مادية تتمثل في نقود تدفع لها مقابل اعتصامها، أو معنوية يمكن تلخيصها
في أسلوب حياة أفضل تعيشه خلال فترة الاعتصام وتضمن خلاله وجبة ساخنة، أو نفسية حيث
سنجد البعض يبحث عن قيادة وزعيم يلقي عليه أحماله وينفذ ما يقوله له دون تفكير أو
وعي فلا زلنا نعيش زمن النظام الأبوي الذي يجب أن يطاع في كل الأوقات.
·
أنه رغم وعي
القيادات بخطأ خطابها الجماهيري وإدراكها عدم جدوى ما تفعله، إلا أنه ليس أمامها بديل على الأقل من
المنظور الذي تشاهد به الأحداث، فالبديل من وجهة نظرهم هو العودة إلى المعتقل.
·
أنه بالإضافة
إلى كون اللغة العربية تملك تأثيرا عاطفيا خاصا، فإنه لا توجد سلطة موازية في
الثقافة العربية لسلطة الكلمات الإلهية فهي تخاطب الوجدان وتلمس أوتار القلوب ولا
تعمل معها العقول ولذلك يحرص خطباء المعتصمين بميداني رابعة والنهضة على الإكثار
من استخدامها لما يرونه من تأثيرها الساحر على المعتصمين.
·
أن هناك ما يمكن
أن نسميه بظاهرة الكسل العقلي منتشرة حاليا بين محدودي الثقافة من المصريين، فجُلهم
لا يشغل نفسه بصحة أو عدم صحة ما يسمعه ويراه وينقاد قسراً أو طوعاً وراء من يتصور
أنهم احتكروا الحقيقة واطلعوا على أسرار الكون فما بالنا لو كان هذا الخطاب يعتمد
على الغيبيات الدينية.
إذن وسط هذه
الحقائق الثابتة التي لا يمكن تجاهلها لا نستغرب من توجهات الخطاب السياسي الموجه لمعتصمي
رابعة العدويه والذي يعتمد على تقديس الظواهر العادية وإلباسها ثوبا يخطف القلوب
دونما حاجة لإعمال العقول، وهذا بالطبع عكس الأسس التي يجب أن يكون عليها الخطاب
الإسلامي الذي كنا ننتظره من علماء منصة رابعة العدويه.
يفترض في الخطاب
الإسلامي ـ أياً كانت وسيلة بثه إلى الجمهور ـ أن يؤسس على مبادئ وقيم من الحق
والصدق والخير، فضلا عن التزام الوضوح
والشفافية في جميع الأحوال والظروف. والسبب في كل ذلك ينبع من وصفه خطاب دعوة
وإصلاح يستند إلى التعاليم التي بشر بها الإسلام وهو يقع على الامتداد الطولي
لدعوة الأنبياء والأولياء الصالحين، كما أنه يقوم على الحقائق ويهدف إلى الإقناع
بالحكمة والموعظة الحسنة والبرهان العلمي والدليل المنطقي وليس من أغراضه الدعاية
الكاذبة والتضليل والإثارة الفقاعية، فالخطاب الإسلامي يختلف عن غيره، فهو يحترم
الديانات السماوية ويقوم على الحكمة ومخاطبة الناس بما يفهمونه وما تقبله عقولهم
وليس بما يؤثر في عواطفهم خاصة إذا عجزوا عن فهمه وإدراكه.
ديننا الإسلامي
يفرض على من يخاطب الجماهير مجموعة قوانين والتزامات أخلاقية صارمة لا يمكن
الإخلال بها، مثلما تمنحه استحقاقات كبيرة لا يمكن التخلي عنها تحت أي ذريعة كانت.
مطلوب من العالم الذي يوجه جماهير مؤيديه في رابعة والنهضة عدم المغالاة والتطرف ليساعد
بذلك على فتح قنوات جديدة لقبول الآخر ، مطلوب منه البحث عن خطوط مبتكرة للتلاقي
مع الطرف أو الأطراف المخالفة في المجتمع، مطلوب منه كذلك الموضوعية في التعاطي مع
الأحداث الجارية وعدم إصدار الحكم المسبق على آخر والتجرد قدر المستطاع عن الأنا
لخلق فرص تفاهم أكبر وتذليل صعوبات التقارب. وليس مطلوبا منه الانكماش والتقوقع
على الذات الذي يؤدي إلى التخشب والانقباض في حدود ضيقة لا يمكن التعويل عليها في
تصدير الأفكار وضمان الاستجابة المنشودة.
وأرجو ألا يتحجج
قائل بأن الخطاب الصادر من الآخر المعارض به قدر كبير من الأكاذيب ولي الحقائق،
فلا تجوز المقارنة بين الخطابين وعلى الداعية الذي يصف نفسه بالإسلامي أن يتمسك
بالمنهج الذي استنه لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم واستند فيه إلى تعاليم المنهج
الرباني التي حددها لنا ربنا عز وجل ونتلوها صباح مساء من كتاب رب العالمين.


هناك تعليق واحد:
أكثر من رائعة :)
إرسال تعليق