الاثنين، 1 سبتمبر 2014

صنع في مصر.. فيلم أم شعار مرحلة؟

الصورة من فيلم (صنع في مصر) للفنان أحمد حلمي



منذ أيام قرأت تصريحا للسيد منير فخري عبد النور وزير الصناعة والتجارة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة يطالب فيه بضرورة الالتزام بتطبيق المواصفات القياسية على المنتجات المحلية والمستوردة كافة، والتأكد من مطابقتها للمعايير الدولية. (!!!)
وشدد عبد النور على أهمية العمل على تحسين الصورة الذهنية للمنتج المصري داخل السوق المحلي والعالمي واعتماد شعار "صنع في مصر" خلال المرحلة المقبلة، مؤكدا أن ذلك سيؤدي لمضاعفة الصادرات من 2ر2 مليار دولار العام 2013 إلى 5 مليارات دولار بحلول العام 2017 .
بلا شك أن كلام الوزير (رائع وجميل) لكن هل سيظل (كلام جرائد) كما استقر عليه الأمر في أذهان المصريين خلال السنوات الأخيرة؟.. عن نفسي لقد تعودت أن آخذ الحذر كاملا عندما اقرأ هذه العبارة مدموغة على أي منتج أنوي شرائه.
ولا بد أن أعترف أنه رغم أعجابي وأنا شاب بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلا أنني لم استطع أن أفعل مثله وأقول (أنا لابس بدلة غزل المحلة) والتي تعتبر من أشهر مقولات الرئيس الراحل الذي كان يتباهى بالصناعة المصرية ويرفع شعار (من الإبرة إلى الصاروخ).
لقد أصبحنا نستورد (الإبرة) ولم نفلح في إنتاج (الصاروخ)، أما صناعة الغزل والنسيج  فالوضع تدهور شيئا فشيئا نتيجة تهالك الآلات ونقص الخبرات وتدنى مستوى التدريب، وللعلم، هذا القطاع لم يُستثمر فيه قيد أنملة منذ 50 عامًا، حتى أصبح لا يقوى على البقاء حيًا، بالإضافة إلى كارثة التهريب التي تلاحقه.
والكوارث التي تهدد (صنع في مصر) لا تعد ولا تحصى، أوضحها وأكثرها إثارة للاستياء ما كشف عنه مسئول بالاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين حين ذكر أن هناك مصانع عديدة بمصر يشارك في ملكيتها مستثمرين إسرائيليين منها مصانع أزياء في بورسعيد، كما أن هناك شركات إسرائيلية تستثمر في مصر وتبيع منتجاتها تحت شعار "صنع في مصر" بالإضافة إلى أن هناك مزارع كثيرة لرجال أعمال معروفين تستخدم خبراء وتكنولوجيا إسرائيلية.
وإذا كانت إسرائيل تعلم مدى كره المصريين لها، لذلك فإنها تستخدم شركات من دول أخرى مثل تركيا وقبرص وهولندا، كوسيط لتسويق المنتجات الإسرائيلية في مصر دون الكشف عن الهوية الحقيقية لهذه المنتجات، فلماذا يصمت المسئول المصري وهو يعلم تماما تلك الحقائق ولا يضع حدا لها؟!
حقيقة كارثية أخرى تتعلق بوجود ما يزيد عن 5 ملايين بائع متجول، تطاردهم الحكومات المتعاقبة في طول البلاد وعرضها، يبيعون منتجات لا تعرف لها مصدرا ولا من الذي أنتجها؟ هؤلاء هم ما يطلق عليهم أصحاب السوق السوداء وهي كفيلون بتدمير أي اقتصاد عفي فما بالنا بالاقتصاد المنهار!.
ولا تنافس عبارة (صنع في مصر) والخوف والحذر منها سوى عبارة (وفقا للمواصفات المصرية) والتي توضع على المنتجات المستوردة من الخارج وكأن الشركة المنتجة تتخلى عن مسئوليتها تجاه هذا المنتج مؤكدة أنه لم يصنع وفقا للمواصفات العالمية ولكن حسب اختيارات المستورد المصري والذي دائما ما يختار (الأسوأ) حتى يكسب (الأكثر).
مثال صغير أذكره للتدليل على صحة ما أقوله وهو خاص بالمنتجات الصينية التي أغرقت البلاد، حاول أن تشتري أي منتج صيني من دولة غير مصر ثم أشتري مثيلا له من بلادنا ولن تحتاج إلى خبرة واسعة لتدرك حجم الفارق الكبير بين المنتجين رغم أن بلد المنشأ واحدة.. المشكلة إذن في البلد المستورد.
المستورد المصري حينما يذهب لشراء بضاعته من السوق الصيني يجد المنتج الواحد بأكثر من سعر، ولكل سعر مواصفات خاصة، وهذا أمر طبيعي، ولكن الغير طبيعي أن يختار المستورد المصري أقل المواصفات بل ربما يطالب بأقل منها ثم يعرضها في بلده للبيع بالسعر العالمي.. منتهى (......)!!.
المشكلة إذن ليست في الشعار وإنما في الضمير، ضمير المسئول الذي يدرك تماما حجم الكوارث التي تحيط بشعار (صنع في مصر) ولا يحاول أن يبحث عن حلول لها ليستعيد المنتج المصري عافيته، أو ضمير المستورد الذي يسعى لزيادة أرباحه فقط ولا ينظر إلى جودة المنتج الذي يبيعه للمصرين.
والمشكلة أيضا في المواطن المصري الذي لا نستطيع اعفاءه من المسئولية والمشاركة في جريمة إغراق السوق المصري ببضائع لا تصلح للاستخدام الآدمي.. فهو مشارك فيما يحدث لصمته الذي أضاع الكثير من حقوقه، وكذلك لكثرة ما لاقاه من ظلم جعله يتعود بأن يرضى بما هو دون المستوى الآدمي.

السبت، 16 أغسطس 2014

الاستبداد وفساد الأخلاق.. وجهان لعملة واحدة!





نعم، كل ما نعيشه من تردي وسوء حال مبعثه الاستبداد الذي يرتبط به ويوازيه فساد الأخلاق.. ديننا الإسلامي حل هذه المشكلة من جذورها ولو طبقنا ما جاء به لصلُح حالنا، باختصار شديد يقول الحق سبحانه ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) هذه الجملة التي هي أسمى و أبلغ ما قاله مشرع سياسي من الأولين والآخرين.

في كتابه الرائع "طبائع الاستبداد" يربط العلامة عبد الرحمن الكواكبي بين الاستبداد والجهل وفساد الأخلاق، ولروعه ما في الكتاب من تحليل ورؤى صادقة تنطبق على واقعنا الحالي حتى نكاد نعتقد أنه يعيش بيننا ويتكلم بلسان حالنا دعونا نعيد قراءة بعض فقراته من جديد.
الاستبداد لغةً هو غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة، وفي اصطلاح السياسيين هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة و بلا خوف تبعة .
صفة الاستبداد كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة، تشمل أيضاً الحاكم الفرد المقيد المنتخب متى كان غير مسئول وتشمل حكومة الجمع و لو منتخباً لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد وإنما قد يعدله الاختلاف نوعاً وقد يكون عن الاتفاق أضر من استبداد الفرد، ويشمل أيضاً الحكومة الدستورية المفرقة فيها بالكلية قوة التشريع عن قوة التنفيذ وعن قوة المراقبة.
يقول الكواكبي: إذا سأل سائل : لماذا يبتلي الله عباده بالمستبدين ؟ فأبلغ جواب مُسكت هو: إن الله عادل مطلق لا يظلم أحداً , فلا يولي المستبد إلا على المستبدين ، و لو نظر السائل نظرة الحكيم المدقق لوجد كل فرد من أسراء الاستبداد مستبداً في نفسه , لو قدر لجعل زوجته و عائلته و عشيرته و قومه و البشر كلهم ، حتى وربه الذي خلقه تابعين لرأيه و أمره.
الناس وضعوا الحكومات لأجل خدمتهم والاستبداد قلب الموضوع فجعل الرعية خادمة للرعاة فقبلوا وقنعوا. الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي إلى الفرّاش إلى كنّاس الشوارع ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقاً لأن الأسافل لا يهمهم طبعاً الكرامة وحُسن السمعة إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته وأنصار لدولته وشرهون لأكل السقطات من أي كانت ولو بشراً أم خنازير آبائهم أم أعدائهم وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه فيشاركهم ويشاركونه وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته فكلما كان المستبد حريصاً على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له المحافظين عليه واحتاج إلى مزيد الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة وهي أن يكون أسفلهم طباعاً وخصالاً أعلاهم وظيفةً وقرباً ولهذا لا بد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم في الأمة.
ما أشبه المستبدَّ في نسبته إلى رعيته بالوصيّ الخائن القوي يتصرّف في أموال الأيتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا ضعافاً قاصرين؛ فكما أنّه ليس من صالح الوصيّ أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من غرض المستبدّ أن تتنوّر الرعية بالعلم.
العلم قبسه من نور الله، وقد خلق الله النّور كشّافاً مبصراً، يولّد في النفوس حرارةً وفي الرؤوس شهامةً، العلم نور والظلم ظلام، ومن طبيعة النّور تبديد الظّلام، والمتأمل في حالة كلِّ رئيس ومرؤوس يرى كلَّ سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته.
وكما يبغض المستبدُّ العلمَ ونتائجه؛ يبغضه أيضاً لذاته، لأن للعلم سلطاناً أقوى من كلِّ سلطان، فلا بدَّ للمستبدِّ من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علماً ولذلك لا يحبُّ المستبدُّ أن يرى وجه عالمٍ عاقل يفوق عليه فكراً، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملِّق وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله: (فاز المتملقون)، وهذه طبيعة كلِّ المتكبرين، بل في غالب الناس، وعليها مبنى ثنائهم على كلِّ من يكون مسكيناً خاملاً لا يُرجى لخيرٍ ولا لشرٍّ.
لا يخفى على المستبدّ، مهما كان غبياً، أنْ لا استعباد ولا اعتساف إلا مادامت الرّعية حمقاء تخبط في ظلامه جهل وتيه عماء، فلو كان المستبدُّ طيراً لكان خفّاشاً يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشاً لكان ابن آوى يتلقّف دواجن الحواضر في غشاء الليل، ولكنّه هو الإنسان يصيد عالِمَه جاهلة.
بين الاستبداد والعلم حرباً دائمةً وطراداً مستمراً: يسعى العلماء في تنوير العقول، ويجتهد المستبدُّ في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنَّهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا فعلوا.
العوام هم قوة المستبدُّ وقُوْتُهُ بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريماً؛ وإذا قتل منهم لم يمثِّل يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بُغاة.
والحاصل أنَّ العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال الخوف وأصبح الناس لا ينقادون طبعاً لغير منافعهم كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بدَّ للمستبدِّ من الاعتزال أو الاعتدال. وكم أجبرت الأمم بترقّيها المستبدَّ اللئيم على الترقّي معها والانقلاب –رغم طبعه- إلى وكيلٍ أمين يهاب الحساب، ورئيسٍ عادل يخشى الانتقام، وأبٍ حليمٍ يتلذذ بالتحابب. وحينئذٍ تنال الأمة حياةً رضيّة هنية، حياة رخاء ونماء، حياة عزّ وسعادة، ويكون حظّ الرئيس من ذلك رأس الحظوظ، بعد أن كان في دور الاستبداد أشقى العباد؛ لأنه على الدوام ملحوظاً بالبغضاء، محاطاً بالأخطار، غير أمين على رياسته، بل وعلى حياته طرفة عين؛
ولأن المستبد لا يرى قطّ أمامه من يسترشده فيما يجهل؛ لأنَّ الواقف بين يديه مهما كان عاقلاً متيناً، لا بدَّ أن يهابه، فيضطرب باله، فيتشوش فكره، ويختلّ رأيه، فلا يهتدي على الصواب، وإن اهتدى فلا يجسر على التصريح به قبل استطلاع رأي المستبدّ، فإن رآه متصلِّباً فيما يراه فلا يسعه إلا تأييده راشداً كان أو غيّاً، وكلُّ مستشار غيره يدَّعي أنَّه غير هيّاب فهو كذَّاب؛ والقول الحقُّ: إنَّ الصدق لا يدخل قصور الملوك؛ بناءً عليه؛ لا يستفيد المستبدُّ قطُّ من رأي غيره، بل يعيش في ضلال وترددٍ وعذابٍ وخوف، وكفى بذلك انتقاماً منه على استعباده النّاس وقد خلقهم ربهم أحراراً.
إنَّ خوف المستبدّ من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأنَّ خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقُّه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجزٍ حقيقي فيه، وخوفهم عن توهّم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النّبات وعلى وطنٍ يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كلِّ شيء تحت سماء ملكه، وخوفهم على حياةٍ تعيسة فقط.
كلما زاد المستبدُّ ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيّته وحتّى من حاشيته، وحتى ومن هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تُختم حياة المستبدِّ بالجنون التّام. قلت: (التام) لأنّ المستبدَّ لا يخلو من الحمق قطّ، لنفوره من البحث عن الحقائق، وإذا صادف وجود مستبدٍّ غير أحمق فيسارعه الموت قهراً إذا لم يسارعه الجنون أو العته؛ وقلتُ: إنه يخاف من حاشيته؛ لأنَّ أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم؛ لأنَّ هؤلاء أشقى خلق الله حياةً، يرتكبون كلَّ جريمةٍ وفظيعة لحساب المستبدِّ الذي يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين.
الكواكبي هو الذي قال ما سبق، لكننا نحن الذين نعيش ما قال " يعيش الإنسان في ظل العدالة والحرية نشيطاً على العمل بياض نهاره وعلى الفكر سواد ليله، إن طعم تلذذ وإن تلهى تروح وتريض لأنه هكذا رأي أبويه وأقرباءه وهكذا يرى قومه الذين يعيش بينهم يراهم نساءً ورجالاً أغنياءً وفقراء ملوكاً وصعاليك كلهم دائبين على الأعمال يفتخر منهم كاسب الدينار بكده وجده على مالك المليار إرثاً عن أبيه وجده.".. هل قرأتم ما أود أن أقول!

البطانة الفاسدة






ليست البطانة الفاسدة هي تلك المجموعة التي تحيط برأس الدولة ؛ ملكا كان أم رئيسا أو أميرا؛ لكنها تلك المجموعة التي تحيط بكل رئيس لمجموعة حتى وإن كانت من المتسولين.
عن هؤلاء أتحدث لأنهم أصل البلاء وسبب الفساد في كل مكان، تحدث عنهم رب العزة في كتابه الكريم ومن ذلك قوله تعالى (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ).
وقوله تعالى (وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من والٍ إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا، فمن وُقي شرها فقد وُقي، وهو من التي تغلب عليه منهما).
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضّه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى) .

وفي تاريخ الأمم عِبر وعظات لمن ألقى السمع وهو شهيد، ففي قصص القرآن نتأمل قصة فرعون موسى ووزيره هامان الذي زيّن له كُفره.
وكذلك شواهد التاريخ في عصور الإسلام المختلفة ومنها مقتل الخليفة المتوكل على الله على يد البطانة الفاسدة، ونهاية الخلافة العباسية على يد ابن العلقمي، ثم انهيار دولة الخلافة الإسلامية العثمانية بفعل قلّة من اليهود والنصارى والمنافقين الأتراك الذين تسنّموا المناصب العليا ومواقع القرار حتى فكّكوا الدولة وأضعفوها.
يُروى أنه كان أحد الحكام العرب في العصر الحاضر جالساً في مجلسه فدخل عليه رجل يبكي، فسأله الحاكم: لماذا تبكي؟
قال الرجل:  جلالتك لم أجد احداً يأخذ الزكاة مني!
(في اشارة منه أنه لا وجود لأهل الزكاة في بلدك لكون خيرات الحاكم قد عمت البلاد بأكمله)
فتبسم الحاكم لأنه استطاع أن يرضي شعبه!
وقد كانت هذه التمثيلية تحت إخراج البطانة الفاسدة التي أرادت أن تصور لهذا الحاكم أن الشعب بخير فأنخدع بهذه التمثيلية وشعبه كان فعلاً يتضور جوعاً!
هذه القصة المؤلمة تصور لنا كيفية تعامل الباطنة الفاسدة مع الحاكم فهي لا تحجب الناس عنه فقط بل تصور له أمورا لا صحة لها.
قصة أخرى يجسدها واحد من  مقاطع الفيديو الموجودة على You Tube  لأحد الحكام وهو يؤدي صلاة الضحى والشعب حوله، يظهر في الفيديو وهو يدخل المسجد ليجده مليء بالمصلين، الذين تم تفتيشهم آلاف المرات قبل دخول المسجد وتم أخذ العهود والمواثيق منهم بأن من تعرض للحاكم بشيء أو سأله أو نطق بكلمة فإنه سيسجن مدى الحياة مع التعذيب المستمر، فيدخل الحاكم ويصلي ويخرج وهو سعيد ويرى الجماهير السعيدة التي تهتف له ظاهراً وفي الباطن تتمنى أن تفتك به.
هذه البطانة الفاسدة التي تلتف حول الحكام غالبا ما يضعوهم في معزل عن شعوبهم، وعندما يأتي الناس ليتكلموا مع الحاكم تجد البطانة تضع ألف حصن وألف جندي وألف سؤال قبل دخول الناس إليه وربما منعوا الناس من الدخول وقالوا الحاكم لا يريد مقابلة أحد وهم يكذبون في ذلك.
تروي كتب التاريخ أن رجلا أراد مقابلة السلطان فمنعته البطانة من المقابلة فجلس يراقب جدول أعمال السلطان فعرف أنه يخرج في الضحى خارج قصره فقام الرجل وأذن للصلاة فلما سمعه الحاكم سألهم عن الوقت فقالوا له: أنه وقت الضحى فقال لهم: لماذا يؤذن هذا الرجل قالوا له: لعله مجنون ! فتركه، فلما جاء الغد قام الرجل ورفع الآذان مرة أخرى وكرر الأمر عدة أيام حتى أمر الحاكم جنوده بالقبض على هذا الرجل فأتو به بين يدي السلطان فسأله السلطان عن سبب رفع الآذان في هذا الوقت فأخبره الرجل أنه يحاول أن يقابله فلم يستطع إلا بهذه الحيلة  فقضى له حاجته وخلى سبيله.
وهكذا نرى أن الدخول إلى بعض الحكام يحتاج إلى حيلة حتى يصل إليه الناس وإلا فلن يستطيع أحد الدخول عليه لأن بطانة السوء تحيط به وتفسده ولا تخبره بمعاناة الشعب أو مشاكلهم أو همومهم بل تخبره دائماً بأنهم بخير وعافية.
والبطانة الفاسدة لا تفعل ذلك فقط، بل تقوم بتشويه صورة الحاكم أمام شعبه فالحاكم يظن أن شعبه بخير ويحبه والشعب يظن أن الحاكم فاسد ويكرهونه ولكن يخافون من سطوة السجن والعذاب فيبقون على حالهم عقود من الزمن يخرج فيها أجيال تربت على أن انكار المنكر جريمة كبرى يُعاقب عليها القانون ومصيرها السجن والتعذيب المستمر حتى الموت!.
تلك البطانة الفاسدة هُم "شلّة" الحُواة والسحرة والانتهازيون المتسلّقون الذين يجتمعون حول الحاكم يتزلفون ويداهنون حتى يُلقى في روعه أنه الحاكم العادل المحبوب الذي بسط الخير والإنسانية في أرجاء البلاد حتى هتف شعبه حبا وتمجيدا له فخادعوه وضلّلوه بقلب الحقائق رأساً على عقب، وتحت سلطانه نشروا القمع ووأدوا الحق وأساءوا للخلق لأجل تحصيل منافعهم الدنيئة وبما يخدم مصالحهم الشخصية وإن تعطلت أو تضررت بذلك مصالح الراعي والرعية.
إن البطانة الغاشّة أخطر على الحاكم منها على المحكومين , فهي تحرّضه لبيع دينه بدنياه وتؤدي به إلى التفريط بأمانته التي تولاها في عنقه بل قد تعجّل بزوال ملكه حين تتأزم أوضاع البلد ويُشحن الناس ضد سياساته مما قد يدفعهم للانفجار عاجلا أو آجلا.
في هذه الأيام المباركة، وفي هذا الشهر الكريم.. فلنتذكر كلّما رفعنا الأكفّ مبتهلين متذلّلين لله أن نخصص جزءا من دعائنا لتلك البطانة الفاسدة وليته يكون بأكثر مما نخصّ به أنفسنا من الدعاء، فبدونهم ستنصلح الأحوال بإذن الله.

الثلاثاء، 3 سبتمبر 2013

حوار د.حاتم مع برنامج أوراق شخصية- 3





هذا هو الجزء الأخير من حواري مع د.عبد القادر حاتم رائد الإعلام المصري الذي تقلد العديد من المناصب في عهود الرؤساء عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك.

في هذا الجزء يتحدث عن قصته مع الشيوعية وكيف حاول الاتحاد السوفيتي عمل (غسيل مخ) لأبنه بعد استضافته لمدة شهر بروسيا والتأثير عليه لاعتناق الفكر الشيوعي، كما يتحدث عن تكليف الرئيس أنور السادات له في مارس 1973 بتشكيل الحكومة المصرية والاستعداد للحرب مع إسرائيل.

يتحدث أيضا عن الإنتاج الفكري وعدد من الكتب التي أصدرها في مجال الإعلام.

ولأن تجارب البشر زاد لنا وللأجيال من بعدنا ننصحكم بمتابعة الحوار مع هذا الرجل، فمن قصته سنتعلم الكثير، وإنها حقا أوراق شخصية لكن فائدتها عامة لكل الأجيال.

برنامج أوراق شخصية أذيع على قناة اقرأ الفضائية وقنوات art  منذ العام 1999، لكنها حلقات تبقى مع الزمن فهي توثق فترات هامة من تاريخ مصر نرويها على لسان أصحابها.
 
 

الخميس، 29 أغسطس 2013

قصتي مع د.عبد القادر حاتم





قصتي مع الدكتور محمد عبد القادر حاتم تستحق أن تروى، فقد كانت بداية معرفتي به عام 1984 حينما كنت أنفذ ملفا صحفيا لمجلة المجلة (التي كانت تصدر في ذلك الوقت من لندن)، وكان عنوان الملف (ماذا فعلتم بمصر؟) حيث يعتمد الملف على لقاء الشخصيات الذين كانوا في موقع المسئولية على مدار السنوات السابقة ويبحث في ملفاتهم عن الأخطاء التي ارتكبوها وساهمت في تدهور الحال بالبلاد.. كانت مواجهة حامية بين وكل من التقيت بهم من رموز وطنية تقلدوا مناصب رفيعة بالبلاد.

الوحيد الذي استوقفني رد فعله كان د. حاتم، حين القيت عليه بالسؤال (ماذا فعلت بمصر؟) كانت صدمته شديدة وقال تقصد (ماذا فعلت لمصر؟) وأكدت عليه سؤالي مرة أخرى فلو كان كل مسئول فعل لمصر وليس بمصر لما وصل حالنا إلى هذه الدرجة من السوء.. بكى الرجل من هول الصدمة لكنه لم يرفض الحوار ووافق على مواجهة لائحة الاتهامات التي اعددتها له وأجاب بكل صدق موثقا ما يقول من ردود.

ثم، وبعد حوالي خمسة عشر عاما (في عام 1999) التقيت به (إعلاميا) للمرة الثانية في حوار ضمن مجموعة حوارات ضمنتها في برنامج أوراق شخصية الذي كنت أقدمه في ذلك الوقت على قناة اقرأ ، وفي هذا الحوار أطلعت على مساحات في تجربته السياسية وحياته الشخصية لم أكن عالما بها من قبل، وأدركت وقتها أن إيمان المرء جزء اساسي من بلوغه الهدف المنشود

شاهدوا معي الجزء الثاني من الحوار مع د.عبد القادر حاتم رائد الإعلام المصري، والمسئول عن الخطة الإعلامية في حرب أكتوبر 1973. الحوار أذيع على قناة اقرأ وقنوات art  عام 1999 وتكررت إعادته مرات بعد ذلك.

الأربعاء، 28 أغسطس 2013

حوار مع د.عبد القادر حاتم - جزء 1




 
د. محمد عبد القادر حاتم ابن الإسكندرية رائد الإعلام المصري وصاحب الإنجازات المتعددة في الإعلام المصري حتى استحق أن يصبح عن جدارة أبا للإعلام المصري

عبد القادر حاتم المولود عام 1918 والذي جاء من أحد الأحياء العريقة بالإسكندرية وهو حي كرموز الشعبي العريق الذي يعتبر أحد أقدم أحياء الإسكندرية  

من المؤكد أن جيل ثورة 25 يناير لا يعرفه، بل ربما بم يقرأ عنه.. لكن المؤكد أن جيل ثرة 23 يوليو 1952 أدرك انجازاته، فهو الذي وضع البنية الأساسية للإعلام المصري في الخمسينات وانشأ أول وكالة للإنباء وأقام ماسبيرو في الستينيات وبرهن على مصداقية الإعلام المصري في أكتوبر  1973 وهو خبير اعلامى مصري ذائع الصيت ارتبط اسمه بوضع إستراتيجية إعلامية لثورة 23 يوليو

حصل على 40 قلادة ووساماً من مختلف دول العالم. وله مايقرب من 20 كتاباً تناولت الإعلام والسياسة والعلاقات المصرية اليابانية.

في الجزء الأول من الحوار معه لبرنامج أوراق شخصية يتحدث د. عبد القادر حاتم عن لحظات التحول الكبرى في حياته والتي تعكس بحق إيمانه بالآية الكريمة (إن مع العسر يسرا).  برنامج أوراق شخصية أذيع على قنوات art   واقرأ الفضائية. شاهدوا هذا المقطع من البرنامج الذي أعده وقدمه محمود صادق

 

السبت، 17 أغسطس 2013

شيزوفرينيا المصريين وديمقراطية الانقلاب العسكري




نعم، أنا من مؤيدي المسار الديمقراطي وضرورة الالتزام به وعدم الخروج عنه، لكني لا أؤيد عودة الرئيس المعزول (شعبيا) محمد مرسي لأن المسار الذي كنا نتجه إليه خلال فترة حكمه كان يقوض أركان الدولة المصرية التي نفخر دائما بأنها تمتد لأكثر من خمسة آلاف عام.



نعم، أرفض الانقلابات العسكرية وأرى فيها إهدارا لحقوق الإنسان الفردية والجماعية واعترف بأن ما حدث في مصر انقلابا عسكريا مكتمل الأركان، لكني أؤيده وبقوة وأرى أنه حظي بدعم شعبي اعطاه القوة الشرعية وأعاد البلاد إلى مربع الشرعية الثورية التي تحكم بالحسم وبقوة القانون وأؤمن أننا كنا بحاجة شديدة إليها حماية لمستقبل أبنائنا وعودة لحُلم جميل راود أغلب المصريين حين هبوا بثورتهم في الخامس والعشرين من يناير 2011.

نعم، أنا مع حق الاعتصام تعبيرا عن الرأي ورفضا للسياسات القائمة، لكني أرفض وبقوة أن يؤدي هذا الاعتصام إلى قطع الطريق وترويع الآمنين، وكاذب من يقول أنه يوجد ترحيب من سكان تلك المناطق بهؤلاء المعتصمين الذين حتى ولو لم يمتلكوا بنادق اوتوماتيكية ورشاشات آلية إلا أنهم امتلكوا ما هو أخطر والمتمثل في سلاح الخوف والرعب الذي بثوه بمهارة وجدارة في قلوب غالبية المصريين الذين صاروا يتخوفون من أي مظاهرة حتى ولو سلمية ليقينهم بما يحدث فيها وبسببها.

هل ما أفعله بموقفي هذا أترجم حالة من حالات (schizophrenia) التي أعيشها ويعيشها معظم المصريين هذه الأيام؟.. ربما لكنها schizophrenia مقبولة وبصراحة لا اعتقد أنها تدين من يعانيها، فالمبدأ واحد: حين تتعارض الديمقراطية مع المصلحة الشعبية وكيان الدولة الواحدة فمعنى ذلك أن المسار الذي نسير فيه خطأ ويجب تصحيحه حتى ولو بالقوة.

وبمناسبة الحديث عن (القوة)، اعتقد أن من مهارات القيادة أن يُحسن القائد تقدير قوته كما يحسب بدقة قوة خصمه وربما يكون ذلك ترجمة دقيقة للقاعدة الشرعية (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، ولهذا كان الأخوة السلفيون يرفضون الخروج على الحاكم، حتى ولو كان ظالما، خوفا من إراقة الدماء. وبدون فذلكة سياسية هذا بالفعل ما استند إليه الرئيس الأسبق أنور السادات في حرب السادس من أكتوبر حين قبل إيقاف الحرب بمجرد دخول الولايات المتحدة لمناصرة إسرائيل وقال يومها قولته الشهيرة (لا قبل لي بمحاربة أمريكا).

تقدير القوة وحساباتها مغيب تماما عن قادة المرحلة الحالية، الذين لفرط إحساسهم بجُرم ما حدث لهم فقدوا توازنهم وإدراكهم السياسي لحقائق القوة على الأرض واعتقدوا أنهم قادرون على مواجهة (دولة) حتى ولو كان الحق معهم، فالحق بدون قوة لن يجلب إلا مزيدا من العنف سواء كان صادرا مني أو من دخلاء هدفهم تشويه سلمية معارضتي.

أتمنى من كل المصريين تقدير الأمور تقديرا صحيحا وعدم الانجراف وراء الهوى، فنحن هذه الأيام لا نرى ونسمع إلا ما نحب أن نرى ونسمع وبعدها نعتقد أن هذه هي الحقيقة كاملة بينما ما رأيناه أو سمعناه هو جزء من الحقيقة وأكاد أجزم أن لا أحد يمتلكها أو يعرفها، لذلك علينا العودة إلى القاعدة الديمقراطية الأصيلة التي استنها لنا الإمام الشافعي (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب) فالحقيقة الكاملة لا وجود لها وهذا ما يوجب علينا قبول الآخر والاعتراف بما يمتلك كجزء من الحقيقة فلربما بحوارنا المشترك نصل إلى الحقيقة المجردة، وإن كان هذا حُلم يصعب تحقيقه مع وجود هذا الإعلام (الكاذب) الذي يحيط بنا من كل جانب، لكن علينا ألا نفقد الأمل فسيبقى في نهاية النفق بصيص من نور وعليه وبالأمل نعيش ونحيا.