الأربعاء، 8 سبتمبر 2010

تخاريف صائم

 اليوم، التاسع والعشرون من شهر رمضان المبارك، كنت بالأمس القريب استعد نفسيا لاستقبال الشهر ممنيا نفسي بمزيد من الطاعات والعبادات التي نقصر في أدائها طوال العام، لكن ها هو الشهر ولى ولم أنفذ 10% مما كنت أتخيل أني قادر على تنفيذه.. أدعو لي أن أوفق في الطاعة وأن تدوم هذه العشرة بالمائة بقية شهور العام.. اللهم آمين.

 أمس، ليلة التاسع والعشرين كانت الفرصة الأخيرة لالتماس ليلة القدر، التي وصفها رب العزة بأنها "خير من ألف شهر"، في كل عام كنت أمني نفسي للفوز بها، ولكن تمر الليالي الوترية ونحن عاجزون عن قيامها.. اسأل نفسي، إذا كان الله سبحانه وتعالى قد حجب عن نبيه ومصطفاة صلى الله عليه وسلم إخبار المسلمين بموعدها تحديدا بعدما أطلعه عليه فطلب منا التماسها في الليالي الوترية من العشر الأخيرة لشهر رمضان المبارك، إذا كان الأمر كذلك فهل يمنحنا الله عز وجل شرف قيامها والفوز بدعائها رغم أن حياتنا كلها وعلاقاتنا عبارة عن مشاحنات دائمة. المسلمون اليوم ليسوا كما كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هم كما أخبرنا صاروا غثاءً، فهل نحن نستحق ثواب هذه الليلة.. لا أظن وربما لهذا السبب لا نرى علامات تلك الليلة التي أخبرنا بها علماء الأمة.

 مع نهاية شهر رمضان، أنظر إلى أبنتي الصغرى وأجدها أفضل مني وأقوى، عمرها 10 سنوات أتمتها بالكاد منذ أيام قليلة وهي تصوم شهر رمضان من اليوم الأول، رغم حرارة الجو ورغم الإجازة الصيفية التي تصاحبها مغريات كثيرة خلال النهار فهي تتطلب كثير من اللعب وكثير من الشيبسي والحلوى، رغم كل هذه المغريات إلا أنها صامدة لم تشكو يوما من طول فترة الصيام وجفاف حلقها وحاجتها لقليل من الماء، وما إن تسمع آذان المغرب حتى تعُب من الماء عبا فهي لا تريد غيره.. تقبل الله منك يا تسنيم، ولا تنسيني في دعئك يا صغيرتي.

 مدفع الإفطار له أهمية خاصة منذ طفولتي، فهو يرتبط لدي بكثير من أكواب قمر الدين وأطباق الحلوى التي التهمها بعد الإفطار، في ذاكرتي ما زالت محفورة تلك الدقائق الأخيرة قبل انطلاق المدفع وآذان المغرب، فرحة لا تعادلها فرحة، استعيد ذكرياتها هذه الأيام بعدما رأيت أبنتي تسنيم حريصة هي أيضا على سماع ضربة المدفع، لم يعد هذا متاحا في تليفزيون الدولة الرسمي لذلك فهي تتسلل حيث المذياع وتظل رابضة إلى جواره حتى تسمع بأذنيها "البووووم"، الفارق بيني وصغيرتي أنني كنت أهتم أيضا بمدفع الإمساك عن الطعام بينما تسنيم تهتم فقط بمدفع الإفطار.. هذا هو الفرق بين الأجيال.

 العيدية، تدرجت في طفولتي ما بين المليم والقرش (صاغ) وعندما نبت شعر ذقني عرفت معنى الخمسة قروش والعشرة (الشلن والبريزة)، لم تلمس يداي مبلغا أكثر من هذا، وكان ما اتلقاه يفتح لي أبواب الدنيا كلها ويوفر كل احتياجاتي من البونبون (النادلر) وغيره من الألعاب البسيطة التركيب والبدائية الصنع.. اليوم عندما أعطي بناتي الثلاثة (مريم وسارة وتسنيم) ورقة المأتي جنيه ينظرون لي وعلامات الاستفهام تتراقص في عيونهم، الكبيرتين (مريم وسارة) لا تتكلمان تأدبا وخجلا، بينما الصغيرة (تسنيم) تملك من الجرأة ما يجعلها تقول "أيه يا بابا حشتري أيه بالفلوس دي؟!".. ربنا يسامحك يا حكومة وضعتني سياساتك الاقتصادية في مأزق حرج، ولم استطع الإجابة على أبنتي مفضلا صمت المقهورين الذي اصبح من طباعنا نحن المصريين.

الاثنين، 9 أغسطس 2010

نسائم رمضان - 1


حين شرعت في كتابة هذه التدوينة لم يكن قد بقي من شهر شعبان إلا أقل من 48 ساعة لتعلن بعدها دار الإفتاء في كل دولة إسلامية مولد هلال شهر رمضان الذي ينتظره المسلمون من العام للعام، وقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء نقوله كلما اقترب شهر الصوم، "اللهم بلغنا رمضان".
وسوف أحاول في هذه التدوينة ممارسة عادة التفكير بصوت مسموع لتحديد ما الذي يجب علينا أن نفعله قبل دخول شهر رمضان..
بداية يجب علينا أن نعرف ونتذكر الهدف من فريضة الصيام، لقد حددها لنا المولى عز وجل بشكل واضح وصريح حين ذكر في الآية الكريمة "يا أيُّها الذينَ آمَنوا كُتِبَ عليكُمُ الصيامُ كما كُتِبَ على الذين مِن قبلكم لعلَّكُم تتَّقون"، أي أن المقصود من الصيام أن أصبح تقياً، أن أخشى الله عز وجل وأجعل بيني وبين غضبه وقاية، وإذا نجحت في فعل ذلك خلال شهر رمضان سأكون قادرا على فعله خلال باقي أيام العام، فهذا الشهر فرصة للتدريب كي أصبح تقيا وأنال رضوان الله ورضاه.. إذن يجب أن أبدأ الاستعداد من الآن كي أكون في رمضان من المتقين الفائزين برضوان الله وجناته .
والمقصود من هذا التدريب أن أحول حياتي كلها إلى عبادة، من خلال النية تطبيقا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم "لكل امرئ ما نوى"، وعليه فإذا أكلت يجب أن تكون نيتي هي أن أقوِّي جسمي لأقوم بالصلاة على أكمل وجه ممكن، وإذا نمت مبكراً كانت نيتي هي أن أستيقظ لقيام الليل ثم صلاة الفجر، وإذا أعدت ربة البيت الطعام كانت نيتها هي إطعام الطعام وإفطار الصائمين لتنال بذلك أجرا ًعظيماً.
أيضا يجب علي أن أحاول تغيير عادة سيئة من عاداتي واستبدالها بعادة حميدة، فإذا كنت أعتدت السهر إلى وقت متأخر فيجب أن أعوِّد نفسي على النوم المبكر من أجل الاستيقاظ قبل الفجر لقيام الليل وصلاة الفجر.
ومن المهم أن أبدأ بعمل خطة تدريجية لقيام الليل، مثلا أبدأ بركعتين قبل أذان الفجر ولو بخمس دقائق وبعد أن أعتادها أجعل قراءتي في القيام بسور أطول، وفي المرحلة التالية أستيقظ قبل الفجر بربع ساعة ليكون لدي وقت للتسبيح والاستغفار حتى أذان الفجر،فإن شعرت بحلاوة قيام الليل وصارت نفسي تهفو إليه استيقظت قبل الفجر بنصف ساعة لأصلي عدداً أكبر من الركعات، وهكذا..
وقت السحر وهو الوقت المبارك الذي يضيعه أغلب الناس في أغلب العام فيأتي رمضان لينبههم عليه فيوقظهم ليتقووا من خلال الطعام ولكن كثيرا من الناس يقضون هذا الوقت في الطعام وينسون الحديث الشريف " إن الله ينزل في الثلث الأخير من كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول ألا هل من مسترزق فأرزقه ألا هل من مستغفر فأغفر له ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر
ويجب الحرص على صلاة الفجر في المسجد؛ والتي نسهو عنها وننام في سائر أوقات السنة فيأتي رمضان ليوقظ في أنفسنا أن هناك صلاة مشهودة في المسجد ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا )، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم " بشر المشاءين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة يفزع الناس ولا يفزعون" ، ويقول صلى الله عليه وسلم" من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح".
ويجب أن أتذكر أهمية الدعاء في هذا الوقت من الليل وأن أكثر منه والاستغفار طوال اليوم لاسيما في هذا الشهر المبارك حيث إن دعاء الصائم مستجاب كما ورد في الحديث الشريف " ثلاثة لا ترد دعوتهم ....الصائم حتى يفطر " وفي رواية "الصائم حين يفطر"، قال العلماء إن الله وضع آية الدعاء بين آيات الصيام إشعارا منه بأن الدعاء في الصيام لا يرد فكم عندنا من الحاجيات نري أن تقضى.
وبالإضافة إلى ذلك هناك كثير من الوسائل التي تجعلنا نجدد حيلتنا في رمضان منها الإكثار من النوافل والتصدق وصلة الأرحام وإدراك معاني الأخوة في الله ومراعاة شعور المسلم فكلها تعطي للحياة معنى آخر غير المعنى الذي كنا قد اعتدناه .
وأهم هذه الوسائل التي تجدد الحياة أول كلمة نزلت في رمضان من القرآن وهي كلمة اقرأ والقراءة باسم الله فهي الوسيلة الأولى لرفع مستوى الثقافة الإسلامية ونشر الوعي، فليجعل المسلم لنفسه في رمضان ساعة على الأقل يقرأ فيها وليتدبر معاني القرآن ليعرف ما يقرأ فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم جميعا لا يتنقلون من آية إلى أخرى إلا بعد أن يتدبروا معناها ويطبقوها في حياتهم.
وقبل أن أترككم أذكركم بدعائه صلى الله عليه وسلم حين نرى، أو نعلم، ظهور هلال رمضان فقد كان الرسول يقول "اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله هلال رشد وخير".

الأحد، 11 يوليو 2010

تدوينات المواطن الصحفي


انتهى زمن الصحفي التقليدي الذي ظهر في العديد من الأفلام العربية (بقلم ونوته) يجري وراء المصدر ليكتب ما يقوله قبل أن يدفع به إلى رئيس التحرير ليعلمه الناس ويقرؤه في صحف صباح اليوم التالي، قارئ اليوم تصل إليه المعلومة ويعرف الخبر فور وقوع الحدث وبالتالي لم يعد يحتاج إلى مطالعة الصحف ليطلع على أحداث الأمس.

وبالضربة القاضية استطاع من أطلق عليه تعبير "المواطن الصحفي" أن يقضي على طموحات دارسي الإعلام والحالمين بالانضمام إلى سوق الإعلام بأشكاله المتعددة، نظرة سريعة على ما تبثه فضائيات القرن الواحد والعشرين وما تضمه الشبكة العنكبوتية من مواقع وصفحات وما تضخه المطابع من أوراق ممهوره بتوقيع أشخاص لم نعرفهم من قبل، كل ذلك المشهد يؤكد أن جيلا جديدا تسلم الراية الإعلامية ودون أن ندري يحفر بصماته وأفكاره على الخارطة الإعلامية.

المسئولون عن الفضائيات العربية لم تعد لديهم شروط تعجيزية في مقدمي البرامج والمذيعات، لم تعد الوسامة مطلوبة ولا سرعة البديهة والقدرة على التحاور ولا الثقافة العامة أو غير ذلك من مواصفات كانت لا توجد إلا في القليل النادر من راغبي العمل الإعلامي وقليل منهم هو الذي يصل ويظهر على الشاشة مقتحما بيوتنا.

اليوم قد تجد من يصرخ ولا يتكلم، يتلعثم ولا يتعلم، لا يدري ما يقول بل يردد ما هو مكتوب دون أن يفهم، ليس لديه مهارات إدارة الحديث، لكنه يمتلك علاقات جيدة ولدية أجندة عالية المستوى، وإن كان هذا الشرط ليس أساسيا لكنه مطلوب، والمهم والأهم أن يكون قادرا على جذب مزيد من الرعاة لبرنامجه حتى ولو كان ما يقوله "سمك لبن تمر هندي"، وهذا الشرط الجوهري دفع العديد من الشباب إلى شراء مساحات زمنية في المحطات الفضائية وملئها ببرامج لا طعم لها لكن وراءها من يمولها وينفق عليها لأغراض شخصية!.

وإذا كان الإعلام المرئي قد شهد هذا التطور (الانتكاسة)، وإذا كان تأثيره الأخطر لأنه يقتحم كل البيوت ويخاطب كل الثقافات والمستويات، فإن الأخطر خلال العشر سنوات المقبلة ستشهده ساحات الإنترنت بعد أن صار داخل كل بيت وأصبح في متناول الجميع وصار لا يحتاج إلى لغة أجنبية بل ابتدعت ساحاته ما بات معروفا باسم لغة الإنترنت وهي مزيج من المعنى العربي ولكن بحروف لاتينية تكاد لا تفقه منها شيئا.

ومثلما أضاعت طريقة الكتابة الجديدة لغات العالم كلها ومزجتها في شيء مستهجن لا معنى له، كان أسلوب الكتابة وحرفية صناعها والمهنية الإعلامية كلهم جميعا ضحايا لهذا القادم الجديد الذي لا يحمل أي مؤهلات علمية لكن لديه القدرة على مخاطبة قارئ الإنترنت والتفاعل معه.

ورغم اعتراضي، المهني والشخصي، على ما يحدث في أروقة الإعلام المرئي حيث أنني أدعم وبشدة أن يتولى أصحاب الاختصاص والكفاءة مقاليد الأمور بشرط تدريبهم وثقل موهبتهم وتنمية أفكارهم وقدراتهم الذاتية، رغم ذلك إلا أنني أؤيد وبشدة ما يحدث في ساحات الإنترنت التي لم تعد تنتظر قارئ افتراضي لا تعلم عنه شيئا بل هي تدرك نوعية من يقرأ لها وماذا يحب ويكره، والقارئ يتفاعل معها لحظة بلحظة ويستطيع أن يعدل مسار ما يكتب له تدعيما لمقوله جديدة مفاداها "هذا ما أريد فأكتبه لي".

لهذا أؤيد وأسجل دعمي الكامل لظاهرة "المواطن الصحفي" الذي يستطيع أن يصل إلى المعلومة ويقدمها قبل وصول الصحفي المحترف، ولنا فيما حدث مع الغزو الأمريكي للعراق أبرز مثال حيث كان مواطنا أمريكيا هو روس كيرك صاحب مدونة (ثقب في الذاكرة) حين وضع الإعلام الأمريكي في موقف مخز في أبريل ٢٠٠٤ بعد نشره لصور الجنود الأمريكيين الذين قتلوا في العراق.. لقد سبق كبريات الصحف ووكالات الأنباء وجميع وسائل الإعلام العالمية رغم أن ما فعله مجهود فردي منشور في مدونة لم يكن يعرفها الكثيرون في ذلك الوقت وقد نشر هذا المواطن ما توصل إليه من معلومات مدعما بالصور في مدونته الشخصية وبعدها تدافعت وسائل الإعلام للنقل عنه واستكمال مسلسل الفضائح الأمريكي.

المهم أن بداية ظهور المعلومة كانت بفضل هذا المواطن الذي مارس العمل الصحفي دون أن يكون محترفا وقدم العمل الإعلامي بكل مهنية واقتدار من حيث توثيق المعلومة وتسجيلها، وبالطبع استنساخ هذه التجربة أمر وارد لكنه ليس شرطا أن يكون على المستوى ذاته حيث يستطيع كل فرد أن يصل إلى المعلومة وأن يقدمها بتباين واختلاف درجة المصداقية والتوثيق إذ سيكون ذلك من مهام المتلقي الذي عليه أن يتأكد من المعلومة المقدمة له قبل أن يصدقها ويتداولها.

نظرية "المواطن الصحفي" تخطت حاجز التجربة في أوروبا والولايات المتحدة، ومع بروزها وانتشارها اضطر ملاك المواقع الإعلامية الكبيرة إلى تخصيص مساحات من مواقعهم لهؤلاء القادمين الجدد، لكن في وطننا العربي ما زالت الفكرة تحبو على استحياء رغم كثرة عدد المدونين، لكن ليس كل مدون مواطن صحفي كما أنه لا يستطيع أي صحفي أن يصبح مدونا.

وتدعيما لهذه الفكرة ومحاولة نشرها في البلاد العربية، بدأ مجموعة من الإعلاميين العرب المقتنعين بالفكرة في إنشاء أول موقع عربي يمزج بين التدوين والصحافة لإتاحة الفرصة أمام الراغبين في طرق هذا المجال بعدما صار الجمهور هو صانع الرسالة الإعلامية، وشكلت المدونات بذلك فرصة للعديد من الكتاب ذوي الموهبة لعرض نتاجهم وإبداعهم الفكري من قصص ومقالات وأشعار وخواطر ذاتية وفضفضة شخصية، وبذلك أصبح أي شخص في مقدوره أن يفتح منبرا إعلاميا على الإنترنت يسجل فيه ما يريد ليقرأه الجميع.

إن موقع "تدوينات" هو البذرة الإعلامية الأولى التي تبدر بشكل علمي متخصص لتجذب شريحة من مستخدمي الإنترنت لم تجد في السابق متنفسا لعرض أفكارها وإبداعاتها وأيضا ما تتوصل إليه من أخبار ومعلومات.

إن موقع تدوينات هو الموقع العربي الأول الذي يمكن أن تكتب أسمه بالحروف العربية وتستطيع أن تزوره بكتابة عنوانه بهذا الشكل تدوينات com. ، كما يمكنك أن تكتبه بالطريقة التقليدية tadwinat.com، أو tadwinat.net.. اكتبه بأي طريقة فكلها ستؤدي بك إلى دخول عالم التدوينات ومن يعلم ربما تصبح روس كيرك العربي وتتناقل وسائل الإعلام كلها ما تنشره من معلومات.

كأس العالم وحب الوطن


أقر وأعترف بأنني واحد من قليلين على سطح المعمورة لم يتابعوا بالكامل فعاليات كأس العالم والمباريات التي شهدت فعالياتها ساحات جنوب أفريقيا، لكني وبحكم العادة الجبرية كنت اقرأ نتائج المباريات خلال مطالعتي لصحف الصباح ثم أكتفي بمشاهدة ما ينشر من صور تعطيني انطباعا عن ردود فعل الجمهور تجاه النتائج وكيف يواجهون خسارة فريقهم أو صعوده للدور التالي.

ومن متابعة انطباعات الجمهور لاحظت أن السعادة تغمر المشاهدين عندما يفوز فريقهم ويسارعون إلى التعبير عن ذلك بألوان متعددة لعل أبرزها رسم علم دولتهم على الوجوه والأذرع ومناطق أخرى من الجسم، كانوا يتسابقون إلى التغني بأوطانهم والتعبير عن حبهم له عندما يسجل فريقهم هدفا في مرمى الخصم، وكانوا يغضبون ويثورون عندما يخسر الفريق، وفي كثير من الحالات يتحول الغضب إلى تخريب وتدمير يعكس حالة الكراهية الإيجابية للوطن الضحية.

هل حب الوطن يكون فقط في حالات الانتصار، سواء السياسي أو الكروي، وهل هو حب فطري أم أننا حولناه إلى كلمات مجردة تفتقد الروح والمعنى؟، وإذا كان حب الوطن دافعاً إلى تحقيق المواطنة فإن ممارسة المواطنة هي التعبير الصادق عن ذلك الحب، ما الذي يجعلني إذن مواطنا صالحا أحب بلدي إذا ما انتصر فريق ينتمي إليها وأحبها أيضا إذا ما خسر الفريق أو حتى انهزم الناس كلهم.

اعتقد أن خللا ما حدث في نظرة الفرد للوطن أو المكان الذي يعيش فيه، كنت أظنها ظاهرة مصرية محلية فقط، حيث تظهر وتنتشر في بلدي ويلمسها كل من يسير بالطريق أو يعاشر الناس ويخالطهم، مفهوم حبي لمصر يعني دفاعي عنها في كل مكان وإخلاصي في العمل لنهضتها كان نجاحي لا يتم إذا استمر تأخر بلدي ومصلحتي الذاتية الشخصية تنصهر في المصلحة العامة التي تسيطر على الجميع كان تخريب المال العام أمرا مستبعدا وعبارة "يا عم هو أنا اللي سأصلح الكون" غير مدرجة في قاموسي الفكري.

اليوم، ماذا نرى ونسمع!، غلبت المصلحة الفردية وسيطرت الأنانية وغابت المصلحة العامة وصار حبي لذاتي هو البداية والنهاية، صرت لا أشعر بمن حولي وأعيش كأني في جزيرة منعزلة لا وجود فيها لغيري، لا أشعر بإحساس المواطنة إلا إذا رأيت تجمعا كرويا وانتصر الفريق الذي يحمل علم بلدي، وبتلقائية غريبة وبدون تفكير صرت أنصهر في هذا الرد فعل للحدث وبمجرد انتهاءه تتفرق المشاعر وأعود إلى ذاتي انكمش داخلها وأنسى من حولي.

باختصار صرنا مواطنين حسب الحدث ولم يعد يجمعنا كيان جغرافي ولا رابطة عاطفية، بل صار ما يجمعنا ويفرقنا هو الحدث وتبخر حب الوطن.

هذا ما لاحظته أيضا خلال متابعتي لصور وحكايات كأس العالم 2010 وهي بالتالي تختلف عن صور وحكايات أول مونديال عرفته البشرية.. تغيرنا جميعا إلى الأسوأ وليس إلى الأفضل كما كنت أحب وأتمنى.

الأربعاء، 23 يونيو 2010

المصريون والنظافة.. ضدان لا يلتقيان


هل أنت مصري؟، هل أنت نظيف وتحب النظافة؟.. أرجوك لا تغضب واستوعب السؤال جيدا قبل أن تجيب. أسمعك تردد "وهل يوجد إنسان يعترف بأنه غير نظيف!"، لكن الواقع والانطباع السائد؛ ليس عندي فقط ولكن عند كثيرين؛ أن المصري والنظافة ضدان لا يلتقيان!.
سألت أصدقائي فقال بعضهم، إنه الفقر الذي جعلنا غير نظيفين!.. واعترضت لأن النظافة لا علاقة لها بمستوى دخل الفرد فهي لا تتطلب مستلزمات مادية لا يقدر على شرائها، يكفي قليل من الماء يستطيع به أن ينظف كل شيء حوله ولكن حتى هذا الماء نستخدمه بطريقة تدلل على أننا والنظافة ضدان ويكفي للدلالة على ذلك مشاهدة من يغسل سيارته في الشارع أو حتى محطات البنزين، صحيح أنه يهدر الكثير من الماء بلا داع ولكنه يجعل كل ما حوله قذرا؛ بل ونفسه أيضا؛ في مقابل أن يخرج بالسيارة وكأنها نظيفة وهي ليست كذلك.. أظن أنك لا تحتاج مثالا آخر يثبت أننا والنظافة ضدان، يكفي فقط أن تنظر إلى الشارع المصري لتتأكد من صدق مقولتي "المصري والنظافة ضدان لا يلتقيان"، بل دعني أكون قاسيا؛ وإن كنت على حق؛ وأطالبك بالنظر إلى بيتك لتتأكد من صدق مقولتي، بل سأكون أكثر قسوة وأطالبك بالنظر إلى نفسك لتكون أكثر اقتناعا بما أدعي وأقول.
أسألك، هل تغسل يديك قبل الأكل وبعده، كما كانت تطالبنا الإرشادات المدونة على ظهر كراسات المدرسة والتي اختفت هذه الأيام مع اختفاء النظافة من حياتنا؟ دعنا من هذا السؤال حتى لا تقول "لست صغيرا حتى أتتبع تلك النصائح" رغم أنها ليست قاصرة على الصغار، هل تنظف نفسك بعدما تقضي حاجتك؟ معظم المسلمين؛ رغم أن الإسلام دين النظافة لا يعرفون؛ أتذكر ما قاله الدكتور محمد العوضي المفكر الكويتي الجنسية حينما كنت أحاوره، قال "سألت أحد المتطرفين الذين تطاولوا على شيوخنا: قل لي كيف تنظف نفسك بعد قضاء حاجتك؟"، ولما علمت أنه لا يعرف قلت له "أذهب وعندما تعرف كيف تنظف مؤخرتك تطاول على شيوخك ومن هم أكثر علما منك!".
قرأت منذ فترة استبيانا أجرته إحدى الشركات الأمريكية رصدت من خلاله جهازا يبين عدد الذين يغسلون أيديهم بعد خروجهم من الحمام فوجدت أنهم لا يتعدون الثلاثة أشخاص من بين كل مائة شخص!!!، ربما نستهين بهذه العملية لكن لو عرفنا عدد الجراثيم التي تمرح في كفوفنا لأدركنا كم هو هام أن ننظف أنفسنا جيدا ثم ننظف أيدينا بدقة حتى نتجنب ومن نخالطه العديد من الأمراض.
هناك أيضا دراسة علمية تؤكد أن نصف المصريين لا يغسلون أيديهم بعد العطس!، أو بعد العودة إلى البيت أو بعد حمل أشياء من الخارج أو حتى بعد ملامسة بعض الأشياء مثل اللحوم النية و مقابض الأبواب و غيرها، ولأهمية غسل اليدين خصصت منظمة الصحة العالمية يوم 15 أكتوبر من كل عام أسمته ( يوم غسل اليدين) ، فلماذا غسل اليدين مهم؟

بالرجوع إلى الدراسة فقد أنه تحت الخواتم على سبيل المثال مئات الملايين من الميكروبات و نفس الشيء تحت الأساور و ساعات اليد، غير أن الأيادي المبللة تنتشر الميكروبات فيها ألف ضعف الأيدي الجافة، وdكثر انتشار البكتيريا والجراثيم في راحة اليد وفي الأظافر وفي الخطوط وفي تعاريج راحة اليد وعقل الأصابع وفي فتحتي الأنف والجروح والشقوق والدمامل.
وأوضحت الدراسة أن الموبايلات، التي نستخدمها بكثرة هذه الأيام، تنتشر فيها البكتيريا بشكل مخيف جدا، بنسبة 92% لدى بائعي الأطعمة، وبنسبة 76% لدى الطلبة و الأساتذة، وبنسبة 42% لدى الموظفين العموميين، وبنسبة 38% بين مقدمي الخدمات الصحية والمستشفيات.
والآن، دعني أكرر السؤال الذي طرحته في البداية، هل أنت نظيف؟ بالتأكيد إذا أجبت بصدق سيكون بالنفي، ولكن دعنا لا نقف عند الإجابة بل نتخطاها إلى محاولة التصحيح، أبدأ بنفسك ثم بغرفتك التي تعيش فيها ثم ببيتك الذي تسكن به ثم بالعقار الذي تقيم فيه فالشارع الذي تقطن به.. وهكذا كلما أتممت دائرة وتأكدت من أنها نظيفة تنطلق إلى الدائرة الأوسع، ويوما ما قريبا أم بعيدا سنستطيع أن نجيب على السؤال ونحن واثقون من أننا نظيفين.
تحدثت عن نظافة اليدين، أما نظافة الروح، وطهارة اليد فلذلك موضوع آخر.

الخميس، 17 يونيو 2010

الاستبداد وفساد الأخلاق.. وجهان لعملة واحدة!


نعم، كل ما نعيشه من تردي وسوء حال مبعثه الاستبداد الذي يرتبط به ويوازيه فساد الأخلاق.. ديننا الإسلامي حل هذه المشكلة من جذورها ولو طبقنا ما جاء به لصلح حالنا، باختصار شديد يقول الحق سبحانه ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) هذه الجملة التي هي أسمى و أبلغ ما قاله مشرع سياسي من الأولين والآخرين.
في كتابه الرائع "طبائع الاستبداد" يربط العلامة عبد الرحمن الكواكبي بين الاستبداد والجهل وفساد الأخلاق، ولروعه ما الكتاب من تحليل ورؤى صادقة تنطبق على واقعنا الحالي حتى نكاد نعتقد أنه يعيش بيننا ويتكلم بلسان حالنا دعونا نعيد قراءة بعض فقراته من جديد.
الاستبداد لغةً هو غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة، وفي اصطلاح السياسيين هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة و بلا خوف تبعة .
صفة الاستبداد كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة، تشمل أيضاً الحاكم الفرد المقيد المنتخب متى كان غير مسئول وتشمل حكومة الجمع و لو منتخباً لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد وإنما قد يعدله الاختلاف نوعاً وقد يكون عن الاتفاق أضر من استبداد الفرد، ويشمل أيضاً الحكومة الدستورية المفرقة فيها بالكلية قوة التشريع عن قوة التنفيذ وعن قوة المراقبة.
يقول الكواكبي: إذا سأل سائل : لماذا يبتلي الله عباده بالمستبدين ؟ فأبلغ جواب مسكت هو: إن الله عادل مطلق لا يظلم أحداً , فلا يولي المستبد إلا على المستبدين , و لو نظر السائل نظرة الحكيم المدقق لوجد كل فرد من أسراء الاستبداد مستبداً في نفسه , لو قدر لجعل زوجته و عائلته و عشيرته و قومه و البشر كلهم , حتى و ربه الذي خلقه تابعين لرأيه و أمره .
الناس وضعوا الحكومات لأجل خدمتهم والاستبداد قلب الموضوع فجعل الرعية خادمة للرعاة فقبلوا وقنعوا. الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي إلى الفرّاش إلى كنّاس الشوارع ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقاً لأن الأسافل لا يهمهم طبعاً الكرامة وحسن السمعة إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته وأنصار لدولته وشرهون لأكل السقطات من أي كانت ولو بشراً أم خنازير آبائهم أم أعدائهم وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه فيشاركهم ويشاركونه وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته فكلما كان المستبد حريصاً على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له المحافظين عليه واحتاج إلى مزيد الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة وهي أن يكون أسفلهم طباعاً وخصالاً أعلاهم وظيفةً وقرباً ولهذا لا بد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم في الأمة.
ما أشبه المستبدَّ في نسبته إلى رعيته بالوصيّ الخائن القوي يتصرّف في أموال الأيتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا ضعافاً قاصرين؛ فكما أنّه ليس من صالح الوصيّ أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من غرض المستبدّ أن تتنوّر الرعية بالعلم.
العلم قبسه من نور الله، وقد خلق الله النّور كشّافاً مبصراً، يولّد في النفوس حرارةً وفي الرؤوس شهامةً، العلم نور والظلم ظلام، ومن طبيعة النّور تبديد الظّلام، والمتأمل في حالة كلِّ رئيس ومرؤوس يرى كلَّ سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته.
وكما يبغض المستبدُّ العلمَ ونتائجه؛ يبغضه أيضاً لذاته، لأن للعلم سلطاناً أقوى من كلِّ سلطان، فلا بدَّ للمستبدِّ من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علماً ولذلك لا يحبُّ المستبدُّ أن يرى وجه عالمٍ عاقل يفوق عليه فكراً، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملِّق وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله: (فاز المتملقون)، وهذه طبيعة كلِّ المتكبرين، بل في غالب الناس، وعليها مبنى ثنائهم على كلِّ من يكون مسكيناً خاملاً لا يُرجى لخيرٍ ولا لشرٍّ.
لا يخفى على المستبدّ، مهما كان غبياً، أنْ لا استعباد ولا اعتساف إلا مادامت الرّعية حمقاء تخبط في ظلامه جهل وتيه عماء، فلو كان المستبدُّ طيراً لكان خفّاشاً يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشاً لكان ابن آوى يتلقّف دواجن الحواضر في غشاء الليل، ولكنّه هو الإنسان يصيد عالِمَه جاهلة.
بين الاستبداد والعلم حرباً دائمةً وطراداً مستمراً: يسعى العلماء في تنوير العقول، ويجتهد المستبدُّ في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنَّهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا فعلوا.
العوام هم قوة المستبدُّ وقُوْتُهُ بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريماً؛ وإذا قتل منهم لم يمثِّل يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بُغاة.
والحاصل أنَّ العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال الخوف وأصبح الناس لا ينقادون طبعاً لغير منافعهم كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بدَّ للمستبدِّ من الاعتزال أو الاعتدال. وكم أجبرت الأمم بترقّيها المستبدَّ اللئيم على الترقّي معها والانقلاب –رغم طبعه- إلى وكيلٍ أمين يهاب الحساب، ورئيسٍ عادل يخشى الانتقام، وأبٍ حليمٍ يتلذذ بالتحابب. وحينئذٍ تنال الأمة حياةً رضيّة هنية، حياة رخاء ونماء، حياة عزّ وسعادة، ويكون حظّ الرئيس من ذلك رأس الحظوظ، بعد أن كان في دور الاستبداد أشقى العباد؛ لأنه على الدوام ملحوظاً بالبغضاء، محاطاً بالأخطار، غير أمين على رياسته، بل وعلى حياته طرفة عين؛
ولأن المستبد لا يرى قطّ أمامه من يسترشده فيما يجهل؛ لأنَّ الواقف بين يديه مهما كان عاقلاً متيناً، لا بدَّ أن يهابه، فيضطرب باله، فيتشوش فكره، ويختلّ رأيه، فلا يهتدي على الصواب، وإن اهتدى فلا يجسر على التصريح به قبل استطلاع رأي المستبدّ، فإن رآه متصلِّباً فيما يراه فلا يسعه إلا تأييده راشداً كان أو غيّاً، وكلُّ مستشار غيره يدَّعي أنَّه غير هيّاب فهو كذَّاب؛ والقول الحقُّ: إنَّ الصدق لا يدخل قصور الملوك؛ بناءً عليه؛ لا يستفيد المستبدُّ قطُّ من رأي غيره، بل يعيش في ضلال وترددٍ وعذابٍ وخوف، وكفى بذلك انتقاماً منه على استعباده النّاس وقد خلقهم ربهم أحراراً.
إنَّ خوف المستبدّ من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأنَّ خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقُّه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجزٍ حقيقي فيه، وخوفهم عن توهّم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النّبات وعلى وطنٍ يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كلِّ شيء تحت سماء ملكه، وخوفهم على حياةٍ تعيسة فقط.
كلما زاد المستبدُّ ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيّته وحتّى من حاشيته، وحتى ومن هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تُختم حياة المستبدِّ بالجنون التّام. قلت: (التام) لأنّ المستبدَّ لا يخلو من الحمق قطّ، لنفوره من البحث عن الحقائق، وإذا صادف وجود مستبدٍّ غير أحمق فيسارعه الموت قهراً إذا لم يسارعه الجنون أو العته؛ وقلتُ: إنه يخاف من حاشيته؛ لأنَّ أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم؛ لأنَّ هؤلاء أشقى خلق الله حياةً، يرتكبون كلَّ جريمةٍ وفظيعة لحساب المستبدِّ الذي يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين.
الكواكبي هو الذي قال ما سبق، لكننا نحن الذين نعيش ما قال " يعيش الإنسان في ظل العدالة والحرية نشيطاً على العمل بياض نهاره وعلى الفكر سواد ليله، إن طعم تلذذ وإن تلهى تروح وتريض لأنه هكذا رأي أبويه وأقرباءه وهكذا يرى قومه الذين يعيش بينهم يراهم نساءً ورجالاً أغنياءً وفقراء ملوكاً وصعاليك كلهم دائبين على الأعمال يفتخر منهم كاسب الدينار بكده وجده على مالك المليار إرثاً عن أبيه وجده.".. هل قرأتم ما أود أن أقول!

الخميس، 10 يونيو 2010

العدالة الغائبة في مصر المحروسة


ماذا يحدث في مصر؟ سؤال أصبح مكررا هذه الأيام من كثرة غرائب ما يحدث.. كل شيء أصبح غير منطقي ويسير عكس الاتجاه المفروض أن يسير فيه.
مثلا، مشاجرة تحدث بين محام ورئيس نيابة فيتحول الأمر إلى اعتصام فإضراب ثم حكم من قاض لم يستمع إلى مرافعات الدفاع ليعرف بالضبط ماذا حدث قبل أن يصدر حكمه بحبس المحامي ليشتعل الموقف بين الطرفين بما يؤثر على السلطة القضائية بمصر.. في هذه القضية كان الخصم هو الحكم لذلك غابت العدالة إجباريا وبفعل فاعل في زمن أصبح للعدالة عنوانان!!.
محكمة أخرى تصدر حكمها تبيح الطلاق وبأحقية زواج الأقباط مرة ثانية بعد الانفصال فتشتعل الساحة أمام الدير ويعتصم المسيحيون اعتراضا على حكم المحكمة على اعتبار أنه صدر مخالفا للشريعة المسيحية التي لا تسمح بالطلاق إلا بواقعة الزنا.. ومرة ثانية ستغيب العدالة بفعل فاعل ويحاول المعتصمون فرض آرائهم دون سند أو برهان!!.
القارئ للصحف المصرية سيقرأ عجبا وسيدرك إلى أين تتجه مصر حكومة وشعبا، مثلا، واصل نحو ٥٠٠ مضيف جوى اعتصامهم بمقر نقابة العاملين بشركة «مصر للطيران» بمصر الجديدة، مطالبين بتطبيق اللائحة المالية المجمدة الخاصة بزيادة رواتبهم منذ ١٤ عاماً أسوة بزملائهم الطيارين.
كما تجمع أكثر من ١٥٠ طياراً بمقر رابطة الطيارين، للمطالبة بالمساواة مع طياري شركة «إير كايرو» التابعة لوزارة الطيران، مؤكدين أن هذه الشركة «لا تحقق أي أرباح مالية، ورغم ذلك يحصل عاملوها على رواتب مرتفعة».
وهذه ليست المرة الأولى التي يتظاهر فيها أصحاب المطالب الفئوية المطالبين بتحسين أوضاعهم المالية، وكل هذه التظاهرات تؤكد أن هناك خللا في لائحة الأجور والمرتبات وأن الأوضاع المعيشية في مصر تزداد سوءا مما دفع بهؤلاء إلى الخروج وإظهار غضبهم للنظام، وللأسف دائما تأتي الحلول جزئية ومجرد مسكنات مما يدفع بالأزمة إلى معاودة الاشتعال من طرف آخر.. وهذا ما يدفعنا إلى التأكيد مجدد على أن السبب الرئيسي في ذلك هو غياب العدالة، وهنا أيضا بفعل فاعل ومع سبق الإصرار والترصد!!.
وبموازاة هذه الأخبار نجد رافدا آخر يؤكد على انتشار الفساد وغياب الذمم؛ وهما جناحا غياب العدالة؛ ويتبين من قراءة تفاصيل أسباب حكم مجلس تأديب القضاة بفصل المستشار سيد زكى نائب رئيس مجلس الدولة من عمله القضائي أن ذلك لاتهامه بتلقي رشاوى من رجل الأعمال محمد فريد خميس مقابل إصدار أحكام ضد الرئيس مبارك وعدد من الوزراء تخص الجامعة البريطانية وعدد من الوزراء، وهى القضية المتورط فيها نائب آخر لرئيس مجلس الدولة هو المستشار أحمد عبد اللطيف، والذي استقال من منصبه.
وقال المحامى رأفت المسلمي في التحقيقات إن رجل الأعمال محمد فريد خميس استضافه في قصره بمارينا 3 أيام متواصلة، وخلالها عرف بنشوب نزاع بين فريد خميس والدكتور ذهني فراج على بناء مجموعة فيلات، فعرض على خميس الاستعانة بالمستشار أحمد عبد اللطيف نائب رئيس مجلس الدولة لحسم النزاع لصالح خميس، لكن وزير الطيران بصفته رئيس مجلس أمناء قرية مارينا تمكن من إنهاء النزاع بحمل خميس على التنازل عن الأراضي المتنازع عليها!!.
وفي سياق أخباري مختلف نقرأ في الصحف المصرية أن المستشار عبد المجيد محمود النائب العام قرر حفظ البلاغات المقدمة ضد رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لقصور الثقافة وبعض العاملين بالهيئة بسبب إعادة طباعة ونشر مؤلف "ألف ليلة وليلة" والذي أشار المبلغون إلي انه يحوي العديد من العبارات التي من شأنها ازدراء الدين الإسلامي وخدش الحياء العام وكذلك الدعوة إلي الفجور والفسق وإشاعة الفاحشة.
ألف ليلة مؤلف تراثي صدر منذ ما يقرب من قرنين من الزمان يوضح لنا كيف كان الأدباء قديما يكتبون النظم الأدبية، ومع ذلك ما زال يثير كل هذه الضجة والتي ربما أدت إلى زيادة مبيعاته وحرص الناس على قراءته، أي أن الشخص الذي رفع الدعوى القضائية ساهم دون أن يدري في نشر "الرذيلة" التي يقول أن كتاب التراث يحض عليها!!.
ولمزيد من الضوء على "اللخبطة" التي تحدث في مصر، ألقت أجهزة الأمن القبض على مجموعة من أتباع الطريقة " الأحمدية القاديانية"، ونسبت إليهم التحقيقات اتخاذ مكان في منطقة المقطم لإقامة شعائر الحج، كما تروج المجموعة إلى أن فريضة الحج يجب أن تكون لقبر القاديانى بالهند وليس إلى الكعبة المشرفة بمكة!!.
.. وصدق من قال: في مصر كل شيء ممكن الشيء ونقيضه!، وهذا دفعني إلى تذكر صديقي محمد بركات الصحفي والإعلامي الكبير حين تعجب له أحد الأصدقاء السعوديين مما شاهده في مصر من "فجور" و"فاحشة"، فكان تعليق بركات "في هذا الاتجاه، على مرمى البصر مسجدا، وبالقرب منه حانة.. إن أردت دخول الأول فلك ما تريد، وإن رغبت في الثانية فتلك حريتك"!!. لا يوجد ضابط ولا رابط في مصر والكل يفعل ما يريد، تطبيقا لما قاله سائق تاكسي ذات يوم تعليقا على الفوضى الحادثة "مصر يا أستاذ ما لهاش كتالوج"!!.