
ماذا يحدث في مصر؟ سؤال أصبح مكررا هذه الأيام من كثرة غرائب ما يحدث.. كل شيء أصبح غير منطقي ويسير عكس الاتجاه المفروض أن يسير فيه.
مثلا، مشاجرة تحدث بين محام ورئيس نيابة فيتحول الأمر إلى اعتصام فإضراب ثم حكم من قاض لم يستمع إلى مرافعات الدفاع ليعرف بالضبط ماذا حدث قبل أن يصدر حكمه بحبس المحامي ليشتعل الموقف بين الطرفين بما يؤثر على السلطة القضائية بمصر.. في هذه القضية كان الخصم هو الحكم لذلك غابت العدالة إجباريا وبفعل فاعل في زمن أصبح للعدالة عنوانان!!.
محكمة أخرى تصدر حكمها تبيح الطلاق وبأحقية زواج الأقباط مرة ثانية بعد الانفصال فتشتعل الساحة أمام الدير ويعتصم المسيحيون اعتراضا على حكم المحكمة على اعتبار أنه صدر مخالفا للشريعة المسيحية التي لا تسمح بالطلاق إلا بواقعة الزنا.. ومرة ثانية ستغيب العدالة بفعل فاعل ويحاول المعتصمون فرض آرائهم دون سند أو برهان!!.
القارئ للصحف المصرية سيقرأ عجبا وسيدرك إلى أين تتجه مصر حكومة وشعبا، مثلا، واصل نحو ٥٠٠ مضيف جوى اعتصامهم بمقر نقابة العاملين بشركة «مصر للطيران» بمصر الجديدة، مطالبين بتطبيق اللائحة المالية المجمدة الخاصة بزيادة رواتبهم منذ ١٤ عاماً أسوة بزملائهم الطيارين.
كما تجمع أكثر من ١٥٠ طياراً بمقر رابطة الطيارين، للمطالبة بالمساواة مع طياري شركة «إير كايرو» التابعة لوزارة الطيران، مؤكدين أن هذه الشركة «لا تحقق أي أرباح مالية، ورغم ذلك يحصل عاملوها على رواتب مرتفعة».
وهذه ليست المرة الأولى التي يتظاهر فيها أصحاب المطالب الفئوية المطالبين بتحسين أوضاعهم المالية، وكل هذه التظاهرات تؤكد أن هناك خللا في لائحة الأجور والمرتبات وأن الأوضاع المعيشية في مصر تزداد سوءا مما دفع بهؤلاء إلى الخروج وإظهار غضبهم للنظام، وللأسف دائما تأتي الحلول جزئية ومجرد مسكنات مما يدفع بالأزمة إلى معاودة الاشتعال من طرف آخر.. وهذا ما يدفعنا إلى التأكيد مجدد على أن السبب الرئيسي في ذلك هو غياب العدالة، وهنا أيضا بفعل فاعل ومع سبق الإصرار والترصد!!.
وبموازاة هذه الأخبار نجد رافدا آخر يؤكد على انتشار الفساد وغياب الذمم؛ وهما جناحا غياب العدالة؛ ويتبين من قراءة تفاصيل أسباب حكم مجلس تأديب القضاة بفصل المستشار سيد زكى نائب رئيس مجلس الدولة من عمله القضائي أن ذلك لاتهامه بتلقي رشاوى من رجل الأعمال محمد فريد خميس مقابل إصدار أحكام ضد الرئيس مبارك وعدد من الوزراء تخص الجامعة البريطانية وعدد من الوزراء، وهى القضية المتورط فيها نائب آخر لرئيس مجلس الدولة هو المستشار أحمد عبد اللطيف، والذي استقال من منصبه.
وقال المحامى رأفت المسلمي في التحقيقات إن رجل الأعمال محمد فريد خميس استضافه في قصره بمارينا 3 أيام متواصلة، وخلالها عرف بنشوب نزاع بين فريد خميس والدكتور ذهني فراج على بناء مجموعة فيلات، فعرض على خميس الاستعانة بالمستشار أحمد عبد اللطيف نائب رئيس مجلس الدولة لحسم النزاع لصالح خميس، لكن وزير الطيران بصفته رئيس مجلس أمناء قرية مارينا تمكن من إنهاء النزاع بحمل خميس على التنازل عن الأراضي المتنازع عليها!!.
وفي سياق أخباري مختلف نقرأ في الصحف المصرية أن المستشار عبد المجيد محمود النائب العام قرر حفظ البلاغات المقدمة ضد رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لقصور الثقافة وبعض العاملين بالهيئة بسبب إعادة طباعة ونشر مؤلف "ألف ليلة وليلة" والذي أشار المبلغون إلي انه يحوي العديد من العبارات التي من شأنها ازدراء الدين الإسلامي وخدش الحياء العام وكذلك الدعوة إلي الفجور والفسق وإشاعة الفاحشة.
ألف ليلة مؤلف تراثي صدر منذ ما يقرب من قرنين من الزمان يوضح لنا كيف كان الأدباء قديما يكتبون النظم الأدبية، ومع ذلك ما زال يثير كل هذه الضجة والتي ربما أدت إلى زيادة مبيعاته وحرص الناس على قراءته، أي أن الشخص الذي رفع الدعوى القضائية ساهم دون أن يدري في نشر "الرذيلة" التي يقول أن كتاب التراث يحض عليها!!.
ولمزيد من الضوء على "اللخبطة" التي تحدث في مصر، ألقت أجهزة الأمن القبض على مجموعة من أتباع الطريقة " الأحمدية القاديانية"، ونسبت إليهم التحقيقات اتخاذ مكان في منطقة المقطم لإقامة شعائر الحج، كما تروج المجموعة إلى أن فريضة الحج يجب أن تكون لقبر القاديانى بالهند وليس إلى الكعبة المشرفة بمكة!!.
.. وصدق من قال: في مصر كل شيء ممكن الشيء ونقيضه!، وهذا دفعني إلى تذكر صديقي محمد بركات الصحفي والإعلامي الكبير حين تعجب له أحد الأصدقاء السعوديين مما شاهده في مصر من "فجور" و"فاحشة"، فكان تعليق بركات "في هذا الاتجاه، على مرمى البصر مسجدا، وبالقرب منه حانة.. إن أردت دخول الأول فلك ما تريد، وإن رغبت في الثانية فتلك حريتك"!!. لا يوجد ضابط ولا رابط في مصر والكل يفعل ما يريد، تطبيقا لما قاله سائق تاكسي ذات يوم تعليقا على الفوضى الحادثة "مصر يا أستاذ ما لهاش كتالوج"!!.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق