
يوم الجمعة (8 يناير 2010) عُدت من المملكة العربية السعودية بعد رحلة عمل استغرقت 30 ساعة في الرياض؛ ثم رحلة إيمانية لأداء العُمرة.. وما بين الرياض ومكة مرورا بجدة حكايات تستحق أن تُروى.
يوم الاثنين (4 يناير 2010) وصلتني دعوة كريمة من الصديق نديم مراد مدير عام الدار المحلية للنشر والخدمات الإعلامية حيث تم ترشيحي للتحكيم في جائزة التميز الخليجي بمجال الإعلام الصحي، ولولا المدير العام للمكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون الخليجي الدكتور توفيق بن أحمد خوجة الذي تدخل بالاتصال المباشر مع القنصل السعودي في مصر لما تم منحي تأشيرة الدخول للسفر في ذات يوم وصولها، إذ تستغرق الإجراءات عادة ما لا يقل عن الثلاثة أيام قبل استلامها رسميا من القنصلية السعودية.. المهم أني بالفعل سافرت في ذات اليوم، دون إعداد مسبق، فأي سفرة إلى السعودية لا تحتاج في رأيي إلى ترتيب إذ يكفي أنني سأتمكن من أداء العمرة والصلاة في بيت الله الحرام.
والرياض هي عاصمة المملكة العربية السعودية، رغم أن جدة هي الأشهر ومكة والمدينة هما في قلب كل مسلم، وكانت المرة السابقة التي ذهبت إليها (الرياض) في عام 2003 أي من نحو 6 سنوات، وهي سنوات قليلة في عمر الأمم إلا أنه بما حدث في الرياض خلفت تأثيرا يستغرق عقودا من الزمن.
في السعودية تحولات دينية وحراك اجتماعي سياسي والأهم تلك الثورة النسائية الهادئة، فهناك إذن مجموعة من المتغيرات سوف تبدل من الصورة النمطية السائدة عنها كدولة سلفية قبلية تحكمها مصالح عشائرية وعادات وتقاليد بدوية.
ولمعرفة حقيقة تلك التحولات لا بد من إطلالة سريعة على الكيفية التي تأسست بها الدولة، فكما هو معروف قامت الدولة السعودية الأولى على التحالف بين سلطة سياسية متمثلة في الأمير محمد بن سعود وسلطة شرعية متمثلة في الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي كان يحمل مشروعاً يهدف إلى إصلاح عقائد الناس ونشر العدل والقضاء على الفساد والظلم المنتشرين في الجزيرة العربية، ووجد سنداً سياسياً في توجهه الإصلاحي من قبل الأمير محمد بن سعود فكان الاتفاق التاريخي الذي قام الشريكان على أساسه بإقامة الحكم السعودي.
ثم قامت الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبد العزيز آل سعود وسانده في قيامها من يطلق عليهم (الإخوان) أو (إخوان من أطاع الله) الذين كونوا نواة الجيش الأساسي للملك عبد العزيز خلال حروبه التي خاضها لتوحيد المملكة، وكان قد قدم لهم نفسه بصفة جديدة تنطلق من مبدأ الإمامة الشرعية وليس من مبدأ السلطة السياسية.
وكان هؤلاء الأخوة يحتسبون ما يقومون به مع الملك عبد العزيز جهاداً في سبيل الله؛ لذلك وبعد انتهاء حروبهم في الحجاز أرادوا مواصلة فتوحاتهم لنشر الدين في العراق والشام لكن الملك عبد العزيز أثناهم عن ذلك لظروف تاريخية وسياسية مما تسبب في خروجهم عليه وقيام معركة السبلة الشهيرة بينهم وبينه التي انتهت بانتصار الملك عبد العزيز.. التوجه الديني والطبيعة القبلية للمجتمع السعودي أذن فرضتا على السلطة السياسية أخذهما بعين الاعتبار في كثير من قراراتها كونهما مصدرَي الشرعية لها.
مع تطور الدولة وتقدمها في بناء دولة مدنية وما تتطلبه من إصلاحات إدارية واقتصادية وبناء أجهزة حديثة استحدث الملك فيصل هيئة لكبار العلماء بهدف استفتائهم فيما يعرض عليهم من قبل الحاكم أو للإجابة عن استفسارات أفراد المجتمع الشخصية، وفرضت هذه الهيئة الطبيعة السلفية على المجتمع كأفراد والدولة بشكل رسمي.
ولكن خلال مرحلة السبعينيات والثمانينيات أرسلت الدولة مجموعات من شبابها إلى الخارج فكان أن تأثروا كثيرا بأفكار ومذاهب سياسية وفكرية مختلفة تسببت في تحريك الجمود الفكري والديني الذي طبعت به المؤسسة الدينية المجتمع جراء تبنيها الرأي الواحد.
وجاءت بعد ذلك الثورة الفضائية والمعلوماتية الحديثة التي مكنت الناس من الاطلاع على آراء واجتهادات فكرية وفقهية متعددة بعضها مخالف لما تتبناه المؤسسة الدينية، وانتشار ذلك بين أوساط العامة والخاصة جعل الدولة تعيد تطعيم مؤسساتها الدينية وعلى رأسها هيئة كبار العلماء والقضاء بشخصيات ذات نظرات تحديثية لضمان مسايرة تلك المؤسسات لتوجهات الدولة الحديثة وحتى لا تفقد مصداقيتها وهي التي قد تحتاجها في وقت من أوقات الأزمات السياسية.
وتشهد المرحلة الحالية انفتاحا إعلاميا كبيرا، وباتت القنوات الفضائية تغزو كافة المنازل، وأصبحت شبكة الإنترنت مجالا خصبا للشباب المتعطش للجديد ولتجاوز الحدود الضيقة التي ما زال يتسم بها السطح السياسي والاجتماعي السعودي.
كما تنامى دور القنوات الفضائية والمجلات والمواقع الإسلامية على شبكة الإنترنت في تقديم الخطاب الإسلامي المعاصر، من هنا أصبح سؤال "ماذا بعد" يطرح نفسه على الخطاب الاجتماعي للحركة الإصلاحية؛ خاصة أن الانفتاح الثقافي الذي وفرته وسائل الاتصال الحديث يحمل بعدا أخطر في عبور الثقافة الغربية المحملة بقيم ومفاهيم اجتماعية خطيرة - ذات طبيعة علمانية استهلاكية دنيوية تتصادم مع المنطلقات والقيم الإسلامية الغالبة في المجتمعات العربية، وفي مقدمتها الخليجية المحافظة.
ونتيجة لكل هذه المتغيرات كان لا بد أن ينعكس ذلك على هيئة كبار العلماء التي أعاد خادم الحرمين تشكيلها من جديد لتتضمن جميع المذاهب السنية، بعد أن كانت حكرًا على المذهب الحنبلي، وهو ما سيسهم بشكل كبير في إخراج السعودية من دائرة الرؤية الشرعية الواحدة التي كانت مرتبطة بالمذهب الحنبلي، لتصبح الرؤية والفتوى تتم من خلال دائرة آراء أوسع وأشمل شرعيا خاصة بعد أن أعفي العديد من العلماء وجيء بآخرين في الأربعينيات من العمر بعضهم ينحدر من جنوب المملكة فيما كان الوجود الغالب دوما لعلماء منطقة نجد معقل حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
أما فيما يتعلق بوضع المرأة السعودية فيكفي الإشارة إلى سابقة هي الأولى من نوعها على مستوى العلاقة بين السلطتين حيث أقال الملك عبد الله أحد أعضاء هيئة كبار العلماء د.سعد الشثري إثر تصريح له على إحدى القنوات الفضائية انتقد فيه اختلاط الرجال بالنساء في الجامعة التي افتتحها الملك.. هذه الإقالة أعادت طرح التساؤل حول مستقبل العلاقة التاريخية بين السلطة السياسية والمؤسسة الرسمية الدينية، وما إذا كان النمط السائد في العلاقة سيستمر أم أن الواقع بحاجة إلى نموذج آخر؟
ورغم قناعتي الكاملة بأن للمجتمع السعودية خصوصيته، فهو مجتمع قبلي متدين، ولا يستطيع أحدٌ أن يفرض عليه تفسيره الخاص عن الإسلام، إلا أن المتجول في مدينة الرياض يلحظ بسهولة الفارق الكبير في أوضاع النساء بين الأمس واليوم.
وحجم التغيير في هذا المجال سيتوقف على مدى قدرة المسئولين والحكومة على إحداث تغييرات تمس المرأة السعودية بجرة قلم، وإن كان الأمر ليس بهذه السهولة. فالمجتمع لا يتحمل التغييرات الدراماتيكية والفجائية، كما أن جميع المسئولين وصناع القرار هم بالنهاية سعوديون ونتاج هذه البيئة المحافظة، وهم – كغيرهم- حذرون فيما يتعلق بقضايا المرأة، ولعل المسئول يجد هو ذاته صراعاً بين كل تلك القيم الموروثة وبين متطلبات المجتمع الحديث.
وفي قراءة واقعية للمجتمع فإن الكثير من النساء السعوديات لا يردن الاختلاط لا في العمل ولا في التعليم، لكن في المقابل هن لا يردن أن يستخدم الفصل ذريعة للتمييز والتهميش، وحسب استفتاء نادر أجري في عام 2006 أفصحت 86% من النساء عن رفضهن للبيئة المختلطة، و89% منهن عن رفضهن لقيادة السيارة.
من الصعب إذن التنبؤ بما سيحدث في المستقبل القريب ولكن من المؤكد أن رياح التغيير أقوى من العادات والتقاليد، فالنساء السعوديات يقدن ثورة هادئة تهدف إلى الحصول على المزيد من الحقوق والحريات.. وهذا مؤشر لما يحدث بالفعل داخل المجتمع السعودي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق