الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

العسكر يلاحقون خلايا تنظيم القاعدة في سيناء

سنضرب بيد من نار بعد فشل مفاوضات الرئاسة في سيناء.. هذا مانشيت "المصري اليوم" في عددها الصادر صباح الثلاثاء 18 سبتمبر 2012، ولا بد أن اللهجة القوية والحاسمة في كلماته قد استوقفت الكثير من القراء مثلما استوقفتني وجعلتني اتساءل عما يحدث في سيناء ولماذا هذا العنف!. تفاصيل الخبر من موقع الدستور الأصلي تقول إن الحملات العسكرية ستكون مدعومة بالعربات المدرعة وغطاء جوي ستشارك فيها قوات من الجيش والشرطة ستستخدم فيها الأسلحة المتوسطة والرشاشات الثقيلة والقذائف الصاروخية. ويأتي ذلك ردا على استخدام العناصر الجهادية التي تطاردها أجهزة الأمن هذه الأسلحة خلال المواجهات التي تمت (17-9-20129 ) حيث تبين امتلاك العناصر الجهادية أسلحة متطورة وقذائف صاروخية حديثة مما يؤكد أن المواجهات القادمة ستكون عنيفة. إذن فشلت الحلول الفكرية والسياسية التي قادها فريق رئاسي مكون من مجدى سالم زعيم "طلائع الفتح" والرائد عبدالعزيز الجمل القائد السابق لجيش "حركة طالبان"، والقيادى الجهادى شريف فزاع والمحامى ممدوح إسماعيل والشيخ هشام أباظة، ومحمد الغزلانى ومحمد برعى ونزار غراب المحامى والنائب فى مجلس الشعب المنحل عن الحرية والعدالة ومحمد سمير أحد شيوخ السلفية فى مصر. ومن الواضح أيضا أن رئاسة الجمهورية رفضت وساطة الجماعة الإسلامية، فمنذ ساعات قرأت تصريحا للسيد عبود الزمر عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية، إن الجماعة تنتظر رد الرئاسة على تصورها بشأن حل مشاكل سيناء وأنها تعكف حاليا على تشكيل وفد يضم شخصيات بارزة داخلها لزيارة سيناء للتباحث مع الأخوة فى سيناء حول جميع المشكلات الخاصة بالمنطقة، خصوصا أن تصور الجماعة يتضمن إنشاء هيئة خاصة لتنمية سيناء، وأكد الزمر أن هناك حالة ثقة شديدة بين الجماعة الإسلامية وجميع التيارات الإسلامية فى سيناء، مما يعزز فرص نجاح جهودنا لتهدئة وتطبيع الوضع فى المنطقة. لكننا بتصريح المصدر العسكري (سنضرب بيد من نار) يتبين أن ملف المفاوضات والحلول السياسية قد أغلق تماما وأنه لا حل إلا الأمني والتدخل العسكري لضرب هؤلاء الجهاديين بيد من (نار)، وهكذا عدنا إلى حلول مبارك وحاشيته حينما كانوا يواجهون الفكر بالنار والرصاص. ثماني سنوات منذ تفجيرات سيناء التى وقعت بين عامَى 2004 و2006 والسلطات المصرية تواصل النفي والاعتراف بوجود جماعات جهادية داخل شبه جزيرة سيناء، لكن هذا النفى لم يعد مقنعا بعد أن أعلنت هذه الجماعات فى بيانات وتصوير مرئى عن وجودها بقوة داخل سيناء وأنها تعمل منذ سنوات قضتها فى التدريب والتسليح والاستعداد للمواجهة المسلحة مع العدو الصهيونى انطلاقا من سيناء. البيانات الجديدة التى صدرت خلال الأسابيع الماضية تؤكد وجود ثلاثة تنظيمات جهادية رئيسية بسيناء إضافة إلى عدة عناصر جهادية أخرى منفردة، هى «الجماعة السلفية الجهادية» و«مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس» و«أنصار بيت المقدس»، وهى أهم التنظيمات الجهادية بسيناء. التنظيمات الجهادية الثلاثة تتفق في ما بينها على أن سلاحها موجه إلى العدو الصهيوني وتنفى تماما أى صلة لها بالهجوم على الجنود المصريين بالنقطة الحدودية، الذى أسفر عن مقتل 16 جنديا مصريا، وتتفق أيضا هذه التنظيمات فى العمليات التى قامت بتنفيذها انطلاقا من سيناء، فالتنظيمات الثلاثة أعلنت فى بيانات منسوبة إليها أنها ضربت بالصواريخ مدينة إيلات، أو كما يطلق عليها أم الرشراش المصرية، وأنها ضربت أيضا خط تصدير الغاز الطبيعي إلى إسرائيل والأردن لوقف ضخ الغاز الطبيعي إلى إسرائيل. التنظيمات الثلاثة تؤكد أيضا أنها مستمرة فى جهادها ضد إسرائيل انطلاقا من سيناء على الرغم من الحملة العسكرية الموسعة التى تشنها مصر حاليا بسيناء وتستخدم فيها آليات وقوات عسكرية لم تدخل سيناء منذ عام 1979. وجماعة «أنصار بيت المقدس» الجهادية هى أحد أشهر التنظيمات الجهادية بسيناء، وكانت أول تنظيم جهادى يعلن عن نفسه بسيناء بشكل علنى في تصوير مرئى حاول تنفيذ عملية ناجحة لتفجير خط الغاز الطبيعي هذا التنظيم أعلن مسؤوليته عن إطلاق صاروخين «جراد»، على مدينة إيلات جنوبي إسرائيل وأكدت الجماعة في بيان لها استمرار عمليتها ضد اليهود. أما «شورى المجاهدين» فهو التنظيم الجهادى الثانى الذى أعلن عن نفسه بسيناء فى شهر يوليو الماضى من خلال تصوير مرئى ظهر فيه اتخاذ هذا التنظيم من سيناء مركزا لعملياته ضد إسرائيل، وأيضا معرفته الجيدة بصحراء سيناء والحدود مع إسرائيل ووجود عناصر عربية بهذا التنظيم داخل سيناء إضافة إلى امتلاكه أسلحة ووسائل اتصال حديثة للتدريب العسكرى العالى لعناصره. أما التنظيم الثالث والأخير فهو السلفية الجهادية بسيناء هذا التنظيم الذى لم يكشف عن نفسه من قبل فى أى تسجيلات مصورة. يبدو هو الأضعف بين التنظيمات الجهادية الثلاثة، ويبدو أنه يعمل بشكل منفرد وليس له صلة بالتنظيمات الجهادية خارج مصر. هذا التنظيم الذى فقد ستة من عناصره ما بين قتيل وجريح فى الحملة الأمنية المصرية الأخيرة أجبرته هذه الضربة الموجعة فى ظل الحملة العسكرية المصرية الموسعة إلى الخروج عن صمته ليعلن عن نفسه، وأصدر تحذيرا شديد اللهجة للجيش المصرى بأنه إذا استمر استهداف عناصره فسيُضطرّ إلى مقاتلة الجيش المصرى. ومن الواضح أن شبه جزيرة سيناء وخصوصا المنطقة الوسطي منها تضم عددا من التيارات التكفيرية والجهادية، وهى جماعات تكفيرية جهادية ترفض بشكل مطلق عودة سيادة الدولة المصرية على سيناء بشكل كامل، بل وتسعي لإنشاء امارة اسلامية هناك انسجاما مع رغبة هذه الجماعات تركيز هذه الجماعات علي سيناء ينسجم مع ظاهرة الهجرة الي الاوطان التي تؤمن بها هذه الجما عات وتأسيس نوع من الكجيتو للإقامة فيه وإقرار تشريعات معينة فيه تنسجم مع معتقداتها خصوصا ان سيناء بها مناطق شاسعة وفوضي امنية تتيح لها العمل بحرية وقوة، وظهرت تلك الجماعات فى استعراضات علنية بالمدن الحدودية يوم مقتل بن لادن، وهم يرتدون ملابس سوداء ويرفعون أسلحتهم تلك الجماعات لم تستوعب متغيرات الوضع المصرى فى مرحلة ما بعد الثورة، واعتقد من يتولون أمرها أن فرصتهم قد حانت لفرض سيطرتهم على الأرض وأيضًا الثأر لمن قتل منهم أو عذب أو نكل بأسرته فى أحداث تفجيرات سيناء عام 2005، في عهد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، والتى على إثرها تم اعتقال عدد منهم وتصفية آخرين. والمشكلة الأكبر هي في العلاقات الوثيقة التي تربط بين الجماعات الجهادية في سيناء ومثيلاتها في قطاع غزة، لقد أصبحت الجماعات السلفية الجهادية بقطاع غزة لاعباً رئيسياً فى أحداث سيناء الأخيرة، وتحديداً فى السنوات الخمس الأخيرة، بعد سيطرة حركة حماس على القطاع الفلسطينى منذ عام 2007، وتبرز جماعات التوحيد، والجهاد، وجيش الإسلام، وجماعة جلجلت، وجماعة جند الله، كأهم التنظيمات التى باتت تتعاون مع جماعات الجهاد فى منطقة سيناء. والسلفية الجهادية هى الرابط الفكرى المشترك بين الجماعات على الجانبين، والأدبيات المشتركة لهم قريبة من فكر تنظيم القاعدة، وتتمثل فى تكوين نظام عالمى ضد إسرائيل وضد حكومات المنطقة العربية وضد الديمقراطية، وهذه الجماعات فوضوية ترفض كيان الدولة وقليلة التنظيم وكياناتها سائلة. والتعاون بين العناصر الموجود فى منطقة سيناء وبين عناصر قطاع غزة زادت بفعل الفراغ الأمنى بعد الثورة، ومع تشديد حماس قبضتها على جيش الإسلام بقيادة ممتاز دغمش وشقيقه معتز دغمش، وهو ما دفع العناصر الإسلامية فى غزة إلى البحث عن أماكن للحركة كان أقربها وأنسبها منطقة سيناء ولتوحد الأدبيات التى تقوم عليها الجماعات فإن تعاونهما كان أمراً سهلاً، ومجال التعاون بينهما يمتد للدعم اللوجيستى والمالى وما يتعلق بالسلاح. وتتراوح أعداد المنتمين للتنظيمات الجهادية في سيناء بين 1000 و2500 عضو حيث إنها تنظيمات محدودة العدد ولا تحظى بدعم وتأييد أهالى سيناء، وبالتالى يعيش أعضاؤها فى عزلة ولا يختلطون بالمجتمع المحيط بهم، كما أنه لا يوجد لهم قادة تنظيميون. وإذا ما حاولنا تتبع مصادر تمويلهم فسنجد أنهم يحصلون عليه من عصابات الجريمة غير المنظمة التى تهرّب لهم الأموال من إسرائيل، كما أن تجارة السلاح وتهريب البضائع من خلال الأنفاق تدر عليهم أموالاً طائلة، وأحياناً تهريب المخدرات عبر الحدود الدولية يدر عليهم أموالاً طائلة كذلك. أما الأهداف التى يسعون لتحقيقها، من خلال أنشطتهم، فإنها غير محددة، حيث إن أعضاء التنظيم لا يملكون رؤية أو استراتيجية، ولكنهم يرفعون راية الجهاد ضد إسرائيل، ويحاولون التسلل لتنفيذ عمليات داخلها بين الحين والآخر، وهم يخططون لإقامة إمارة إسلامية فى سيناء، ويتمركز أغلب أعضاء هذه التنظيمات فى شمال سيناء، ولهم معسكرات فى جبل الحلال للتدرب على استخدام السلاح. والمتتبع لحركة هؤلاء الجهاديون يلاحظ أنهم انتهزوا مناخ الحرية الذى أفرزته ثورة يناير لنشر أفكارهم التكفيرية فى عدد من المحافظات، على رأسها الفيوم والشرقية والإسماعيلية وسيناء، خاصة فى العريش، كما لوحظ، عقب الثورات العربية، النشاط الكبير لتنظيم القاعدة فى شمال إفريقيا، حيث نشط تنظيم "القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامي"، ثم تبعه ظهور جديد للقاعدة فى سيناء، تحت مسمى "أنصار الجهاد فى سيناء"، وأثار ظهور هذا التنظيم الكثير من المخاوف، منها على سبيل المثال، عودة العنف الدينى المسلح من جديد، وكذلك عودة العمليات الإرهابية التى عانتها مصر فترة طويلة من الزمن، بعد أن تم القضاء عليها. وقد تمثل الظهور الإعلامى الرسمى للقاعدة فى مصر، من خلال بيان صدر عن جماعة أطلقت على نفسها " جماعة أنصار الجهاد فى سيناء"، وهو بيان مبايعة لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري. واحتوى البيان الصادر بتاريخ 23 يناير2012 ، ما نصه " إلى أميرنا الحبيب، وشيخنا المفضال، أبي محمد أيمن الظواهري ، حفظك الله ونصرك وأعانك، من جنودك في سيناء الحبيبة في أرض الكنانة، نبايعك على السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وأثرة علينا، فارم بنا حيث شئت، فلن ترى ولن تسمع منا إلا ما تقر بها عينك، وتشفي بها صدرك، فلن نقر ولن نستسلم إلا على آخر قطرة من دمنا في سبيل الله، وحتى يحكم الإسلام بعون الله تعالى. وفقكم الله شيخنا الحبيب المجاهد إلى ما فيه الخير للإسلام والمسلمين، ونسأل الله أن يحفظكم بحفظه، وأن يحفظ قادة الجهاد في كل مكان إنه ولي ذلك والقادر عليه"، واختتم البيان بتوقيع " جنودكم في جماعة "أنصار الجهاد في جزيرة سيناء". وكان بعض عناصر "أنصار الجهاد"، قد أفرجت عنهم وزارة الداخلية بعد اعتقالهم، في إطار فتح صفحة جديدة. ولكن بعد خروجهم من المعتقل، عادوا إلى سيناء وانضموا للتنظيم، وتم تدريبهم في قطاع غزة على جميع فنون القتال، واستخدام مدافع الهاون، وجميع أنواع الأسلحة والتدريب، وتجميع المتفجرات وتفكيكها وتفجيرها بالأسلاك الكهربائية. كل هذا يوضح خطورة هذه التنظيمات الجهادية، كما لا يخفى على أحد أن لهم خصومة مع الجيش، وتحديدا بعد أن حاصرت قواته اعتصام العباسية وفضته بالقوة، ما أدى إلى قتل 6 من عناصر الجهاد، وهذا هو السبب الأرجح فى أنهم اختاروا الجيش للثأر منه في عملية رفح خاصة وأن عقيدتهم تكفر الجيش والشرطة والمخابرات. أعضاء التنظيم وغيرهم من التكفيريين ينطبق عليهم حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذى تنبأ بظهورهم وقال إنهم من الخوارج الذين أجاز الرسول عليه السلام قتلهم، لأنهم بمثابة فتنة تهدد الأمة، وقال: «قال الرسول (طوبى لمن قتلوه أو قتلهم)». لكن العلاج الأمنى ليس حلا كافيا وأتمنى أن يحدث بالتوازى معه علاج فكرى لتلك التيارات، لقد نجحت إسرائيل فى اختراق هذه التنظيمات ولديها معلومات تفصيلية عن تحركاتها وأنشطتها سواء فى غزة أو سيناء، ومن المؤكد أن المخابرات المصرية تمتلك من المعلومات ما هو أكثر ويفيد في عملية المحاورة الفكرية والسياسية شريطة إسنادها لمن هم أهل لها. نحن جميعا نعلم أن الجماعات التكفيرية لن تصمت خاصة بعد تحركات الجيش واستخدامه العنف وقتل بعض أعضائها، ويجب علينا عدم التقليل من قدرة هذه الجماعات التنظيمية والتسليحية بعد تهريب أعداد كبيرة من الأسلحة من ليبيا والسودان إلى مصر،إضافة إلى أن الحرب مع هذه الجماعات لن تكون حربا نظامية بل حرب عصابات، فهم يضعون مدافع الآر بي جي فوق اكتافهم ويندسون وسط المناطق المأهولة بالسكان ومن الصعب على الدبابات والعربات المجنزرة أن تحصدهم بل هي لن تصل إليهم إلا بعد سقوط العديد من ضحايا بدو سيناء مما يزيد المشكلة تعقيدا. والأمر الآخر الذى يدعو إلى القلق هو احتمال اتحاد قوى السلفيين الجهاديين فى غزة وسيناء مما من شأنه خلق بيئة مواتية لتنظيم القاعد وبهذا تصبح سيناء فى ظل غياب الأمن والاهتمام بتنميتها نسخة مشابهة لما يحدث على الحدود الأفغانية الباكستانية من انتشار الجماعات الجهادية وخلايا تنظيم القاعدة.

السبت، 4 ديسمبر 2010

ويكيلكس والإعلام الجديد

حينما ظهرت القناة الإخبارية الأمريكية CNNفي التسعينيات من القرن العشرين واستطاعت أن تصل للخبر أينما حدث وتنشره على العالم كله، كان ذلك بمثابة ثورة جديدة في عالم الاتصالات والإعلام قلبت المفاهيم وقربت كل بعيد. أذكر كلاما قرأته في ذلك الوقت للأمين العام للأمم المتحدة الدكتور بطرس غالي لخص ما حدث وانعكاساته على السياسة العالمية بقوله إن أعضاء مجلس الأمن الدولي الخمسة عشر أصبحوا الآن ستة عشر. وعندما سأله الضيوف المندهشون عن هوية العضو الإضافي الجديد، رد الأمين العام بنبرة جادة لا تخلو من الهذر: إنه شبكة CNN التي كانت تتفرد في أوائل التسعينيات بالتربع وحدها على عرش المحطات الإخبارية غير المعروفة بعد في عالمنا العربي آنذاك.
ومثلما كانت CNN علامة فارقة في مسار الإعلام الدولي، اعتقد أن موقع ويكيلكس سوف يدشن لنقطة تحول جديدة في مسار الإعلام الجديد وخاصة الإعلام الإليكتروني، وسيكون أكثر دعما لنظرية "المواطن الصحفي" التي اعتمدها الإعلام الغربي منذ سنوات ثم تبناها موقع تدوينات منتصف عام 2010.
موقع ويكيليكس (Wikileaks) ، ومعناها "تسريبات الويكي" يعتبر -كما يقول القائمون عليه- موقعا للخدمة العامة مخصصا لحماية الأشخاص الذي يكشفون الفضائح والأسرار التي تنال من المؤسسات أو الحكومات الفاسدة، وتكشف كل الانتهاكات التي تمس حقوق الإنسان أينما وكيفما كانت.
الاسم جاء من دمج كلمة "ويكي" والتي تعني الباص المتنقل مثل المكوك من وإلى مكان معين، وكلمة "ليكس" وتعني بالإنجليزية "التسريبات".
تم تأسيس الموقع في يوليو 2007 وبدأ منذ ذلك الحين بالعمل على نشر المعلومات، وخوض الصراعات والمعارك القضائية والسياسية من أجل حماية المبادئ التي قام عليها، وأولها "صدقية وشفافية المعلومات والوثائق التاريخية وحق الناس في خلق تاريخ جديد".
وكانت بداية انطلاق الموقع من خلال حوار بين مجموعة من الناشطين على الإنترنت من أنحاء متفرقة من العالم مدفوعين بحرصهم على احترام وحماية حقوق الإنسان ومعاناته، بدءا من قلة توفر الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والقضايا الأساسية الأخرى.
ومن هذا المنطلق، رأى القائمون علي الموقع أن أفضل طريقة لوقف هذه الانتهاكات هو كشفها وتسليط الضوء عليها.
ويعتمد الموقع في أغلبية مصادره على أشخاص يوفرون له المعلومات اللازمة من خلال الوثائق التي يكشفونها، ومن أجل حماية مصادر المعلومات يتبع موقع ويكيليكس إجراءات معينة منها وسائل متطورة في التشفير تمنع أي طرف من الحصول على معلومات تكشف المصدر الذي وفر تلك التسريبات.
كما يحظى ويكيليكس بشبكة من المحامين وناشطين آخرين للدفاع عن المواد المنشورة ومصادرها التي لا يمكن -متى نشرت على صفحة الموقع- مراقبتها أو منعها.
هذا الاعتماد المتزايد على شبكة الإنترنت سيكون نقطة التحول الكبرى في دنيا المواقع والمدونات الإلكترونية، وهذا الموقع الإخباري ذي الثلاث سنوات من العمر، منح مجتمع الإعلاميين العاملين على الشبكة الإلكترونية قوة دفع لا يمكن احتواؤها بعد اليوم، ودشن بنشر مثل هذه الوثائق السرية التي لم يستطع البنتاجون إنكارها، زمنا جديدا في توازنات علاقة القوة المتغيرة بين السلطة الرابعة التي ظلت حتى ظهور الـ (CNN) مجرد حبر على ورق، وبين سائر السلطات الأخرى النافذة في عصر العولمة والفضاءات المفتوحة.
والجديد في عالم المواقع الإليكترونية يتمثل في الإضافة النوعية التي أنتجها موقع ويكيلكس الإخباري، بعد نشره لنحو خمسة وسبعين ألف وثيقة تكشف الكثير من أسرار حرب أفغانستان، من دون أن تتجرأ الإدارة الأميركية على القيام بحجب هذا الموقع أو منعه على الشبكة العنكبوتية.
نحن اليوم أمام واقعة إعلامية ستكون علامة بارزة في الإعلام الجديد حيث ستكرس لمفهوم سلطة الإنترنت كوسيلة إعلامية تفاعلية عابرة للحدود والقيود والسلطات الرسمية حتى لو كانت الولايات المتحدة الأمريكية، نحن أمام سلطة تزداد مع مرور الوقت تطورا ونفوذا وسيطرة على نحو يتجاوز بأشواط طويلة سطوة وسائل الإعلام التقليدية، ويتعدى حتى قدرات المحطات الفضائية بوصولها إلى مئات الملايين في لحظات محدودة ومن دون أن يتمكن أحد على منعها مثلما يفعل الرقيب مع وسائل الإعلام التقليدية.
وكما كانت الـ (CNN) بداية فارقة لعصر من الإعلام الفضائي الجديد، يشكل موقع ويكيلكس، بداية أخرى أكثر أهمية من سابقتها في مسار هذا التطور المفتوح على آفاق لا نهائية في عصر الإعلام الإلكتروني وزمن الصورة الرقمية، الأمر الذي يدعو الحكومات في العالم العربي على وجه الخصوص إلى استيعاب مغزى هذا التطور بروح إيجابية، عوضا عن محاولات القمع والمنع والحجب لكبح هذا التطور الذي لا راد له.
قصة ويكيلكس لم تنتهِ، لكن العالم بأسره لن ينسى ما يمكن أن يفعله الإعلام الجديد، وإعلامنا العربي بحاجة إلى صحوة حتى لا يفوته القطار مرة أخرى فهذه الوسائل والأدوات الحرة ليست حكرا على الصحفي الغربي والسماء المفتوحة ملك للجميع،ونتمنى أن يشكل موقع تدوينات بداية انطلاقة صحيحة وجريئة للإعلام العربي الحر.

الأحد، 28 نوفمبر 2010

تجربة شخصية في انتخابات مصر البرلمانية



28 نوفمبر 2010، موعد المصريين مع انتخابات مجلس الشعب (البرلمان) والتي تعلق عليها حبل الأمل لدى المصريين وتوقع بعضهم أن تكون زلزالا يهز أركان المعبد السياسي ويفجر التابوت الذي ألفه المصريون لعقود مضت، وتوقع آخرين أن يكون بوابة العبور نحو ديمقراطية حقيقية تمهد للانتخابات الرئاسية 2011.
وكنت واحدا من هؤلاء المصريين الذين لم يتفاءلوا لدرجة الاعتقاد بزلزلة أركان المعبد، كما أني لم أتصور أن تكون سنة أولى ديمقراطية، لكني تمنيت أن تصبح بمثابة فترة تمهيدية تسبق مرحلة الديمقراطية؛ أي كأننا في مرحلة Baby class التي تسبق عادة الفترة الدراسية الطبيعية.
ولإيماني العميق بـ (حتى تغيروا ما بأنفسكم)، ولاقتناعي بأهمية أن يبدأ كل منا بالعمل المطلوب منه ويرفض تماما المقولة المنتشرة بين المصريين (يا عم هو أنا اللي حأغير الكون) ولضرورة إلغاء شعار اللا مبالاة، لذلك قررت أن أشارك في اختيار من سيمثلني تحت قبة البرلمان، قررت أن أصبح مواطن انتخابي (حر)!.
ولأنني من هؤلاء الذين يتعاملون بحرص شديد مع الدوائر الحكومية، بل ويتحاشون التعامل مع أي منها إلا لضرورة، توجهت إلى قسم الشرطة أقدم قدما وأؤخر أخرى لعمل الإجراءات اللازمة نحو قيد أسمي في سجل الانتخابات؛ فلا يوجد بين المصريين من يذهب طواعية إلى قسم الشرطة؛ ذهبت إليهم بالطبع في المواعيد المحددة والمعلن عنها لفتح باب القيد في الجداول الانتخابية.. كان ذلك في شهر يناير 2010.
وبمنتهى اللطف قابلني المسئول وملأت الاستمارة المعدة لذلك، ثم طلب مني العودة لاستلام البطاقة الانتخابية في شهر مارس 2010، وفي الموعد المحدد ذهبت فأرجأ حصولي على البطاقة إلى الشهر التالي (أبريل)، وفي شهر مايو كان المسئول الموجود بمكتب الشرطة (الإداري) امرأة تعاملت معي بمنتهى (الخشونة) قائلة (مفيش بطاقات خلصت، مستعجلين على أيه ....) ولسان حالها وتعبيرات الوجه تقول (روحوا هم يشيلكم ولا يجيبكم تاني).. وقررت بالفعل ألا أذهب مرة أخرى، لكن ضميري لم يتركني وعقلي الباطني يكرر (تغير ولا تيأس) لذلك ذهبت في شهر يوليو ثم أغسطس وتسلمتها أخيرا في شهر سبتمبر 2010 !!!.
المهم جاء اليوم الموعود، وقررت متحمسا خوض تجربة المشاركة الانتخابية لأول مرة في حياتي (32 سنة عمري المهني)، صحوت مبكرا وتوجهت إلى أقرب لجنة انتخابية لسكني في مدينة نصر، خرجت من منزلي الساعة العاشرة مستحضرا بعض المعتقدات المصرية القديمة (البركة في البكور) و(قبل الزحمة) وأخيرا (علشان أخلص بدري).
وأمام اللجنة وجدت زحاما شديدا لدرجة أنني فكرت في التراجع والعودة مساء، لكني وجدت من يهمس في أذني (عاوز تدخل يا أستاذ؟)، نعم.. (تفضل) وفتح لي فرجه بين القضبان الحديدية المحاط بها اللجنة الانتخابية.. ها ها ، بدأت بمخالفة كعادة المصريين أو على الأقل مخالفة لخط السير المقرر من قبل الأمن، وبمجرد أن مررت لم ينس الرجل أن يدس في يدي بطاقة دعاية انتخابية للمرشحة التي يتبعها (لا تنسى .... من ... لقد توسمت فيك خيرا)!!.
شققت طريقي وسط الزحام، كنت أعتقد أنه زحام الناخبين، لكن بعد خطوات معدودة اكتشفت أنه زحام مندوبي المرشحين!، سألت؛ مبرزا بطاقتي الانتخابية (أين اللجنة؟) سألوني (ما الذي جاء بك هنا، هل انتخبت من قبل؟) وكانت إجابتي بالنفي فهذه المرة الأولى، فتركني رجل الأمن أبحث بنفسي عن اللجنة.
وجدت مجموعة من الموظفين جالسين وفي أيديهم بعض الأوراق، سألتهم أين اللجنة؟، نظر أحدهم إلى بطاقتي الانتخابية وصرخ سائلا من بجواره (فين حرف اللام، مين معاه حرف اللام؟) توقعت أنه يبحث عن أسمي فقلت (أنا أسمي محمود) فصرخ مجددا (حرف الميم يا جماعة؟ حرف الميم) ولما لم يرد أحد توقعت أن الحرف قد ضاع وبدأت أفكر ماذا سأفعل وكيف أمارس حقي الدستوري، هل أعود إلى المنزل مرة أخرى! وصرخ ضميري (تغير، ألم نتفق على ضرورة التغيير).
عدت إلى الواقع مجددا حينما عاود الموظف صراخه (خلاص يا جماعة لقيت حرف الميم، معايا وأنا معرفش)!!، كنت أظن ونحن قد اقتربنا من نهاية 2010 أن كل الأسماء ستكون مسجلة على جهاز كمبيوتر، وأنه بضغطة زر أحدد لجنتي ومكانها، وكنت أحلم أنه ربما يأتي الزمن الذي يستطيع فيه الناخب أن يدلي بصوته وهو في منزله أو عمله بمجرد دخوله لموقع اللجنة الانتخابية على الإنترنت واختيار مرشحه، كل ذلك ممكن طالما أن المواطن يملك كلمة المرور التي تتيح له ذلك.
المهم قال لي الرجل (لجنة 4 يا أستاذ، فوق.. طريق السلامة)، شكرته ثم وأنا أتسلم منه البطاقة فوجئت به يقول بلغة اليقين (موش الراجل بتاعك هو الراجل بتاعنا؟) ووجدت بطاقة دعاية انتخابية تتدلى على صدره لمرشح الحزب الوطني!، ابتسمت وشكرته، نعم فلولا أنه أفاق سريعا لضاع حرف الميم وما عرفت لجنتي الانتخابية!.
بحثت عن اللجنة في دهاليز المقر الانتخابي، ووجدتها.. شبة خالية باستثنائي وشخص سبقني وابنه ووقف يطلب استمارة اختيار نواب مجلس الشعب، وفي مدخل اللجنة جلس بعض الأشخاص أظنهم مندوبي المرشحين، مرة ثانية كنت أتوقع أن أقف بعيدا عن مسئولي اللجنة منتظرا أن يفرغ من أمامي، لكني لم أجد من يمنعني من الذهاب إليهم والبحث عن أسمي والتوقيع ثم الذهاب إلى رئيس اللجنة لسحب الاستمارات المعدة للانتخاب.
المفروض أن يعطيني رئيس اللجنة ورقتين دفعة واحدة، واحدة منهما لمقعد كوته المرأة والثانية لمجموع المرشحين، لكني فوجئت بالشهامة المصرية تتجلى حيث أشفق علي رئيس اللجنة من الانتظار ريثما ينتهي من أمامي (الوحيد باللجنة ولا يوجد غيرنا) لذلك أعطاني استمارة كوته المرأة وطلب من الاختيار ووضعها في الصندوق المخصص ثم العودة مرة أخرى لاستلام الاستمارة الثانية والذهاب بها إلى الصندوق الآخر.
واستجبت لاقتراح رئيس اللجنة، لكني لم أكن شهما مثله كما توقع ولم أفرغ من اختيار النائبة التي أريد بالسرعة التي توقعها، فنهرني قائلا (أيه يا أستاذ موش عارف مين تختار؟) ونفيت ذلك على الفور مؤكدا (اختار من تعرف، لكني فقط كنت اقرأ بقية الأسماء)، فأبتسم قائلا (لا داعي وخلصنا)!.
وأخذت الاستمارة الثانية وذهبت لاختيار المرشح ووضعها في الصندوق المخصص، تأخرت ريثما اقرأ كل الأسماء، فهي كثيرة ويجب أن اقرأ الاسم واسم الشهرة حتى أتيقن من اختياري، وجاءني صوت رئيس اللجنة مرة أخرى (أيه يا أستاذ موش عارف فين الراجل بتاعك؟).
انتهيت مسرعا حتى لا يظن الرجل بي السوء، نعم أنا أعرف الرجل الذي تريدون (الراجل بتاعنا كلنا)، طلب مني رئيس اللجنة غمس أصبعي في سائل أمامه ونصحني أن يكون الأصبع الصغير وألا أضعه كاملا في السائل مجرد طرف الأصبع يكفي، المفروض أن هذا السائل علامة على أني أدليت بصوتي ولا يجوز لي تكرار ذلك، تذكرت وقتها أن أعضاء اللجنة لم يطلبوا مني ما يثبت أنني لم أدل بصوتي من قبل، لم يشاهدوا أصابعي حتى يتأكدوا من أن أحداها ليس مغموسا في السائل!!، فهل سيفعلون ذلك ويتحققون مع من سيأتي بعدي؟ لا أظن، فأنت في مصر.
المهم،وبشكل سريع، لاحظت أنه تم وضع كل مرشحي الحزب الوطني في الجانب الأيمن من الاستمارة، ربما حتى يسهل على من لا يعرف أحد أن يختار من يجده مكتوبا أولا في الكشف، وربما من باب (إن في التيمن بركة)، لكن من المؤكد أن طريقة الكتابة مقصودة بدليل أن أول اسم في الاستمارة مرشح الحزب الحاكم رغم أن أسمه لا يبدأ بحرف الألف فترتيب نشر الأسماء لا يخضع لقاعدة الترتيب الأبجدي المعمول بها في أي مكان، ولكن من المؤكد أن خبراء الحزب الحاكم قد أوصوا بذلك على اعتبار أن الجانب الأيمن هو أول ما تقع عين الناخب عليه عند النظر للاستمارة، كما أن طريقة وضع صندوق الانتخاب تتيح لرئيس اللجنة معرفة من أي جانب اختار الناخب مرشحه وليس مهما معرفة الاسم بالتحديد.
أما عن سبب عدم تسرعي في اختيار المرشح فيرجع لكوني لا أعرف كل المرشحين، بل ربما لا أعرف إلا مرشح الحزب الحاكم لكثرة ما قرأت من لافتات تأييد له ولاصطدامي بصورته في كل مكان، ولأنه عضو فعال في الحكومة الحالية، لكن المؤكد أن خدماته لا تصل بشكل مباشر إلى جماهير الناخبين لذلك كنت أتساءل (ماذا سيفعل لي هذا الوزير عندما يصبح نائبا عن دائرتي الانتخابية؟).
ويقودني هذا التساؤل، مثل غيري من الناخبين، إلى تحديد الأسس التي عليها أختار المرشح، أريد مثلا شارعا نظيفا خاليا من القاذورات وهذا غير مؤمن حاليا خصوصا بعدما أصبحت مدينة نصر تتنافس عالميا على لقب أقذر مدينة في العالم، فهل سيستطيع مرشح مجلس الشعب تحقيق هذا الحلم؟، أريد أيضا مكانا تقف فيه سيارتي بعدما أصبحت شوارع المنطقة غابة من السيارات لدرجة أني أتساءل ألا يخرج أصحابها لأعمالهم؟، أريد حلا لمشاكل الزحام المروري وأن أصل لمقر عملي بمنطقة الدقي في معدل الوقت الطبيعي (حاليا يتراوح الزمن من 45 دقيقة إلى ثلاث ساعات!!).
لن أتكلم عن توفير احتياجاتي وأسرتي بأسعار معقولة والعمل على الحد من الغلاء وجشع التجار، ولن أحلم بالحصول على حقوقي الدستورية والدفاع عن عدم سن تشريعات تحرمني منها أو تزيد من معاناتي كمواطن مصري، ولن أتجرأ وأفكر في مستقبل أولادي على أساس أنني مؤمن ويجب لكي يكتمل إيماني؛ وفقا للمفهوم الرسمي؛ ألا أفكر في الغد على اعتبار (أن الله لم يطلب مني أعمال العبادة ليوم الغد فلماذا أفكر أنا في مستقبلي ومستقبل أولادي ليوم الغد).
أنا ابن اليوم، أفكر فقط فيمن يؤمن لي متطلباتي اليومية والحياتية، فقط ليوم واحد، أرى فيه شارعا نظيفا وتقف سيارتي على بعد كيلو متر واحد من منزلي وأذهب لعملي في نصف ساعة فقط ولا يحتك بي البشر العصبيين وتبتسم زوجتي في وجهي ويتضاحك أطفالي معي قبل ذهابهم إلى النوم مبكرا بدلا من عبوس الجميع للضغوط التي يواجهونها سواء في مدارسهم أو عملهم.
هل أنا من الطماعين أم ما زلت قنوعا، لا أريد الكثير من نواب البرلمان ولا من حكومة البرلمان، أريد فقط أن أعيش اليوم في سلام. يا رب حقق أمنيتي وأمنيات المصريين.

الأربعاء، 8 سبتمبر 2010

تخاريف صائم

 اليوم، التاسع والعشرون من شهر رمضان المبارك، كنت بالأمس القريب استعد نفسيا لاستقبال الشهر ممنيا نفسي بمزيد من الطاعات والعبادات التي نقصر في أدائها طوال العام، لكن ها هو الشهر ولى ولم أنفذ 10% مما كنت أتخيل أني قادر على تنفيذه.. أدعو لي أن أوفق في الطاعة وأن تدوم هذه العشرة بالمائة بقية شهور العام.. اللهم آمين.

 أمس، ليلة التاسع والعشرين كانت الفرصة الأخيرة لالتماس ليلة القدر، التي وصفها رب العزة بأنها "خير من ألف شهر"، في كل عام كنت أمني نفسي للفوز بها، ولكن تمر الليالي الوترية ونحن عاجزون عن قيامها.. اسأل نفسي، إذا كان الله سبحانه وتعالى قد حجب عن نبيه ومصطفاة صلى الله عليه وسلم إخبار المسلمين بموعدها تحديدا بعدما أطلعه عليه فطلب منا التماسها في الليالي الوترية من العشر الأخيرة لشهر رمضان المبارك، إذا كان الأمر كذلك فهل يمنحنا الله عز وجل شرف قيامها والفوز بدعائها رغم أن حياتنا كلها وعلاقاتنا عبارة عن مشاحنات دائمة. المسلمون اليوم ليسوا كما كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هم كما أخبرنا صاروا غثاءً، فهل نحن نستحق ثواب هذه الليلة.. لا أظن وربما لهذا السبب لا نرى علامات تلك الليلة التي أخبرنا بها علماء الأمة.

 مع نهاية شهر رمضان، أنظر إلى أبنتي الصغرى وأجدها أفضل مني وأقوى، عمرها 10 سنوات أتمتها بالكاد منذ أيام قليلة وهي تصوم شهر رمضان من اليوم الأول، رغم حرارة الجو ورغم الإجازة الصيفية التي تصاحبها مغريات كثيرة خلال النهار فهي تتطلب كثير من اللعب وكثير من الشيبسي والحلوى، رغم كل هذه المغريات إلا أنها صامدة لم تشكو يوما من طول فترة الصيام وجفاف حلقها وحاجتها لقليل من الماء، وما إن تسمع آذان المغرب حتى تعُب من الماء عبا فهي لا تريد غيره.. تقبل الله منك يا تسنيم، ولا تنسيني في دعئك يا صغيرتي.

 مدفع الإفطار له أهمية خاصة منذ طفولتي، فهو يرتبط لدي بكثير من أكواب قمر الدين وأطباق الحلوى التي التهمها بعد الإفطار، في ذاكرتي ما زالت محفورة تلك الدقائق الأخيرة قبل انطلاق المدفع وآذان المغرب، فرحة لا تعادلها فرحة، استعيد ذكرياتها هذه الأيام بعدما رأيت أبنتي تسنيم حريصة هي أيضا على سماع ضربة المدفع، لم يعد هذا متاحا في تليفزيون الدولة الرسمي لذلك فهي تتسلل حيث المذياع وتظل رابضة إلى جواره حتى تسمع بأذنيها "البووووم"، الفارق بيني وصغيرتي أنني كنت أهتم أيضا بمدفع الإمساك عن الطعام بينما تسنيم تهتم فقط بمدفع الإفطار.. هذا هو الفرق بين الأجيال.

 العيدية، تدرجت في طفولتي ما بين المليم والقرش (صاغ) وعندما نبت شعر ذقني عرفت معنى الخمسة قروش والعشرة (الشلن والبريزة)، لم تلمس يداي مبلغا أكثر من هذا، وكان ما اتلقاه يفتح لي أبواب الدنيا كلها ويوفر كل احتياجاتي من البونبون (النادلر) وغيره من الألعاب البسيطة التركيب والبدائية الصنع.. اليوم عندما أعطي بناتي الثلاثة (مريم وسارة وتسنيم) ورقة المأتي جنيه ينظرون لي وعلامات الاستفهام تتراقص في عيونهم، الكبيرتين (مريم وسارة) لا تتكلمان تأدبا وخجلا، بينما الصغيرة (تسنيم) تملك من الجرأة ما يجعلها تقول "أيه يا بابا حشتري أيه بالفلوس دي؟!".. ربنا يسامحك يا حكومة وضعتني سياساتك الاقتصادية في مأزق حرج، ولم استطع الإجابة على أبنتي مفضلا صمت المقهورين الذي اصبح من طباعنا نحن المصريين.

الاثنين، 9 أغسطس 2010

نسائم رمضان - 1


حين شرعت في كتابة هذه التدوينة لم يكن قد بقي من شهر شعبان إلا أقل من 48 ساعة لتعلن بعدها دار الإفتاء في كل دولة إسلامية مولد هلال شهر رمضان الذي ينتظره المسلمون من العام للعام، وقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء نقوله كلما اقترب شهر الصوم، "اللهم بلغنا رمضان".
وسوف أحاول في هذه التدوينة ممارسة عادة التفكير بصوت مسموع لتحديد ما الذي يجب علينا أن نفعله قبل دخول شهر رمضان..
بداية يجب علينا أن نعرف ونتذكر الهدف من فريضة الصيام، لقد حددها لنا المولى عز وجل بشكل واضح وصريح حين ذكر في الآية الكريمة "يا أيُّها الذينَ آمَنوا كُتِبَ عليكُمُ الصيامُ كما كُتِبَ على الذين مِن قبلكم لعلَّكُم تتَّقون"، أي أن المقصود من الصيام أن أصبح تقياً، أن أخشى الله عز وجل وأجعل بيني وبين غضبه وقاية، وإذا نجحت في فعل ذلك خلال شهر رمضان سأكون قادرا على فعله خلال باقي أيام العام، فهذا الشهر فرصة للتدريب كي أصبح تقيا وأنال رضوان الله ورضاه.. إذن يجب أن أبدأ الاستعداد من الآن كي أكون في رمضان من المتقين الفائزين برضوان الله وجناته .
والمقصود من هذا التدريب أن أحول حياتي كلها إلى عبادة، من خلال النية تطبيقا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم "لكل امرئ ما نوى"، وعليه فإذا أكلت يجب أن تكون نيتي هي أن أقوِّي جسمي لأقوم بالصلاة على أكمل وجه ممكن، وإذا نمت مبكراً كانت نيتي هي أن أستيقظ لقيام الليل ثم صلاة الفجر، وإذا أعدت ربة البيت الطعام كانت نيتها هي إطعام الطعام وإفطار الصائمين لتنال بذلك أجرا ًعظيماً.
أيضا يجب علي أن أحاول تغيير عادة سيئة من عاداتي واستبدالها بعادة حميدة، فإذا كنت أعتدت السهر إلى وقت متأخر فيجب أن أعوِّد نفسي على النوم المبكر من أجل الاستيقاظ قبل الفجر لقيام الليل وصلاة الفجر.
ومن المهم أن أبدأ بعمل خطة تدريجية لقيام الليل، مثلا أبدأ بركعتين قبل أذان الفجر ولو بخمس دقائق وبعد أن أعتادها أجعل قراءتي في القيام بسور أطول، وفي المرحلة التالية أستيقظ قبل الفجر بربع ساعة ليكون لدي وقت للتسبيح والاستغفار حتى أذان الفجر،فإن شعرت بحلاوة قيام الليل وصارت نفسي تهفو إليه استيقظت قبل الفجر بنصف ساعة لأصلي عدداً أكبر من الركعات، وهكذا..
وقت السحر وهو الوقت المبارك الذي يضيعه أغلب الناس في أغلب العام فيأتي رمضان لينبههم عليه فيوقظهم ليتقووا من خلال الطعام ولكن كثيرا من الناس يقضون هذا الوقت في الطعام وينسون الحديث الشريف " إن الله ينزل في الثلث الأخير من كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول ألا هل من مسترزق فأرزقه ألا هل من مستغفر فأغفر له ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر
ويجب الحرص على صلاة الفجر في المسجد؛ والتي نسهو عنها وننام في سائر أوقات السنة فيأتي رمضان ليوقظ في أنفسنا أن هناك صلاة مشهودة في المسجد ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا )، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم " بشر المشاءين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة يفزع الناس ولا يفزعون" ، ويقول صلى الله عليه وسلم" من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح".
ويجب أن أتذكر أهمية الدعاء في هذا الوقت من الليل وأن أكثر منه والاستغفار طوال اليوم لاسيما في هذا الشهر المبارك حيث إن دعاء الصائم مستجاب كما ورد في الحديث الشريف " ثلاثة لا ترد دعوتهم ....الصائم حتى يفطر " وفي رواية "الصائم حين يفطر"، قال العلماء إن الله وضع آية الدعاء بين آيات الصيام إشعارا منه بأن الدعاء في الصيام لا يرد فكم عندنا من الحاجيات نري أن تقضى.
وبالإضافة إلى ذلك هناك كثير من الوسائل التي تجعلنا نجدد حيلتنا في رمضان منها الإكثار من النوافل والتصدق وصلة الأرحام وإدراك معاني الأخوة في الله ومراعاة شعور المسلم فكلها تعطي للحياة معنى آخر غير المعنى الذي كنا قد اعتدناه .
وأهم هذه الوسائل التي تجدد الحياة أول كلمة نزلت في رمضان من القرآن وهي كلمة اقرأ والقراءة باسم الله فهي الوسيلة الأولى لرفع مستوى الثقافة الإسلامية ونشر الوعي، فليجعل المسلم لنفسه في رمضان ساعة على الأقل يقرأ فيها وليتدبر معاني القرآن ليعرف ما يقرأ فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم جميعا لا يتنقلون من آية إلى أخرى إلا بعد أن يتدبروا معناها ويطبقوها في حياتهم.
وقبل أن أترككم أذكركم بدعائه صلى الله عليه وسلم حين نرى، أو نعلم، ظهور هلال رمضان فقد كان الرسول يقول "اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله هلال رشد وخير".

الأحد، 11 يوليو 2010

تدوينات المواطن الصحفي


انتهى زمن الصحفي التقليدي الذي ظهر في العديد من الأفلام العربية (بقلم ونوته) يجري وراء المصدر ليكتب ما يقوله قبل أن يدفع به إلى رئيس التحرير ليعلمه الناس ويقرؤه في صحف صباح اليوم التالي، قارئ اليوم تصل إليه المعلومة ويعرف الخبر فور وقوع الحدث وبالتالي لم يعد يحتاج إلى مطالعة الصحف ليطلع على أحداث الأمس.

وبالضربة القاضية استطاع من أطلق عليه تعبير "المواطن الصحفي" أن يقضي على طموحات دارسي الإعلام والحالمين بالانضمام إلى سوق الإعلام بأشكاله المتعددة، نظرة سريعة على ما تبثه فضائيات القرن الواحد والعشرين وما تضمه الشبكة العنكبوتية من مواقع وصفحات وما تضخه المطابع من أوراق ممهوره بتوقيع أشخاص لم نعرفهم من قبل، كل ذلك المشهد يؤكد أن جيلا جديدا تسلم الراية الإعلامية ودون أن ندري يحفر بصماته وأفكاره على الخارطة الإعلامية.

المسئولون عن الفضائيات العربية لم تعد لديهم شروط تعجيزية في مقدمي البرامج والمذيعات، لم تعد الوسامة مطلوبة ولا سرعة البديهة والقدرة على التحاور ولا الثقافة العامة أو غير ذلك من مواصفات كانت لا توجد إلا في القليل النادر من راغبي العمل الإعلامي وقليل منهم هو الذي يصل ويظهر على الشاشة مقتحما بيوتنا.

اليوم قد تجد من يصرخ ولا يتكلم، يتلعثم ولا يتعلم، لا يدري ما يقول بل يردد ما هو مكتوب دون أن يفهم، ليس لديه مهارات إدارة الحديث، لكنه يمتلك علاقات جيدة ولدية أجندة عالية المستوى، وإن كان هذا الشرط ليس أساسيا لكنه مطلوب، والمهم والأهم أن يكون قادرا على جذب مزيد من الرعاة لبرنامجه حتى ولو كان ما يقوله "سمك لبن تمر هندي"، وهذا الشرط الجوهري دفع العديد من الشباب إلى شراء مساحات زمنية في المحطات الفضائية وملئها ببرامج لا طعم لها لكن وراءها من يمولها وينفق عليها لأغراض شخصية!.

وإذا كان الإعلام المرئي قد شهد هذا التطور (الانتكاسة)، وإذا كان تأثيره الأخطر لأنه يقتحم كل البيوت ويخاطب كل الثقافات والمستويات، فإن الأخطر خلال العشر سنوات المقبلة ستشهده ساحات الإنترنت بعد أن صار داخل كل بيت وأصبح في متناول الجميع وصار لا يحتاج إلى لغة أجنبية بل ابتدعت ساحاته ما بات معروفا باسم لغة الإنترنت وهي مزيج من المعنى العربي ولكن بحروف لاتينية تكاد لا تفقه منها شيئا.

ومثلما أضاعت طريقة الكتابة الجديدة لغات العالم كلها ومزجتها في شيء مستهجن لا معنى له، كان أسلوب الكتابة وحرفية صناعها والمهنية الإعلامية كلهم جميعا ضحايا لهذا القادم الجديد الذي لا يحمل أي مؤهلات علمية لكن لديه القدرة على مخاطبة قارئ الإنترنت والتفاعل معه.

ورغم اعتراضي، المهني والشخصي، على ما يحدث في أروقة الإعلام المرئي حيث أنني أدعم وبشدة أن يتولى أصحاب الاختصاص والكفاءة مقاليد الأمور بشرط تدريبهم وثقل موهبتهم وتنمية أفكارهم وقدراتهم الذاتية، رغم ذلك إلا أنني أؤيد وبشدة ما يحدث في ساحات الإنترنت التي لم تعد تنتظر قارئ افتراضي لا تعلم عنه شيئا بل هي تدرك نوعية من يقرأ لها وماذا يحب ويكره، والقارئ يتفاعل معها لحظة بلحظة ويستطيع أن يعدل مسار ما يكتب له تدعيما لمقوله جديدة مفاداها "هذا ما أريد فأكتبه لي".

لهذا أؤيد وأسجل دعمي الكامل لظاهرة "المواطن الصحفي" الذي يستطيع أن يصل إلى المعلومة ويقدمها قبل وصول الصحفي المحترف، ولنا فيما حدث مع الغزو الأمريكي للعراق أبرز مثال حيث كان مواطنا أمريكيا هو روس كيرك صاحب مدونة (ثقب في الذاكرة) حين وضع الإعلام الأمريكي في موقف مخز في أبريل ٢٠٠٤ بعد نشره لصور الجنود الأمريكيين الذين قتلوا في العراق.. لقد سبق كبريات الصحف ووكالات الأنباء وجميع وسائل الإعلام العالمية رغم أن ما فعله مجهود فردي منشور في مدونة لم يكن يعرفها الكثيرون في ذلك الوقت وقد نشر هذا المواطن ما توصل إليه من معلومات مدعما بالصور في مدونته الشخصية وبعدها تدافعت وسائل الإعلام للنقل عنه واستكمال مسلسل الفضائح الأمريكي.

المهم أن بداية ظهور المعلومة كانت بفضل هذا المواطن الذي مارس العمل الصحفي دون أن يكون محترفا وقدم العمل الإعلامي بكل مهنية واقتدار من حيث توثيق المعلومة وتسجيلها، وبالطبع استنساخ هذه التجربة أمر وارد لكنه ليس شرطا أن يكون على المستوى ذاته حيث يستطيع كل فرد أن يصل إلى المعلومة وأن يقدمها بتباين واختلاف درجة المصداقية والتوثيق إذ سيكون ذلك من مهام المتلقي الذي عليه أن يتأكد من المعلومة المقدمة له قبل أن يصدقها ويتداولها.

نظرية "المواطن الصحفي" تخطت حاجز التجربة في أوروبا والولايات المتحدة، ومع بروزها وانتشارها اضطر ملاك المواقع الإعلامية الكبيرة إلى تخصيص مساحات من مواقعهم لهؤلاء القادمين الجدد، لكن في وطننا العربي ما زالت الفكرة تحبو على استحياء رغم كثرة عدد المدونين، لكن ليس كل مدون مواطن صحفي كما أنه لا يستطيع أي صحفي أن يصبح مدونا.

وتدعيما لهذه الفكرة ومحاولة نشرها في البلاد العربية، بدأ مجموعة من الإعلاميين العرب المقتنعين بالفكرة في إنشاء أول موقع عربي يمزج بين التدوين والصحافة لإتاحة الفرصة أمام الراغبين في طرق هذا المجال بعدما صار الجمهور هو صانع الرسالة الإعلامية، وشكلت المدونات بذلك فرصة للعديد من الكتاب ذوي الموهبة لعرض نتاجهم وإبداعهم الفكري من قصص ومقالات وأشعار وخواطر ذاتية وفضفضة شخصية، وبذلك أصبح أي شخص في مقدوره أن يفتح منبرا إعلاميا على الإنترنت يسجل فيه ما يريد ليقرأه الجميع.

إن موقع "تدوينات" هو البذرة الإعلامية الأولى التي تبدر بشكل علمي متخصص لتجذب شريحة من مستخدمي الإنترنت لم تجد في السابق متنفسا لعرض أفكارها وإبداعاتها وأيضا ما تتوصل إليه من أخبار ومعلومات.

إن موقع تدوينات هو الموقع العربي الأول الذي يمكن أن تكتب أسمه بالحروف العربية وتستطيع أن تزوره بكتابة عنوانه بهذا الشكل تدوينات com. ، كما يمكنك أن تكتبه بالطريقة التقليدية tadwinat.com، أو tadwinat.net.. اكتبه بأي طريقة فكلها ستؤدي بك إلى دخول عالم التدوينات ومن يعلم ربما تصبح روس كيرك العربي وتتناقل وسائل الإعلام كلها ما تنشره من معلومات.

كأس العالم وحب الوطن


أقر وأعترف بأنني واحد من قليلين على سطح المعمورة لم يتابعوا بالكامل فعاليات كأس العالم والمباريات التي شهدت فعالياتها ساحات جنوب أفريقيا، لكني وبحكم العادة الجبرية كنت اقرأ نتائج المباريات خلال مطالعتي لصحف الصباح ثم أكتفي بمشاهدة ما ينشر من صور تعطيني انطباعا عن ردود فعل الجمهور تجاه النتائج وكيف يواجهون خسارة فريقهم أو صعوده للدور التالي.

ومن متابعة انطباعات الجمهور لاحظت أن السعادة تغمر المشاهدين عندما يفوز فريقهم ويسارعون إلى التعبير عن ذلك بألوان متعددة لعل أبرزها رسم علم دولتهم على الوجوه والأذرع ومناطق أخرى من الجسم، كانوا يتسابقون إلى التغني بأوطانهم والتعبير عن حبهم له عندما يسجل فريقهم هدفا في مرمى الخصم، وكانوا يغضبون ويثورون عندما يخسر الفريق، وفي كثير من الحالات يتحول الغضب إلى تخريب وتدمير يعكس حالة الكراهية الإيجابية للوطن الضحية.

هل حب الوطن يكون فقط في حالات الانتصار، سواء السياسي أو الكروي، وهل هو حب فطري أم أننا حولناه إلى كلمات مجردة تفتقد الروح والمعنى؟، وإذا كان حب الوطن دافعاً إلى تحقيق المواطنة فإن ممارسة المواطنة هي التعبير الصادق عن ذلك الحب، ما الذي يجعلني إذن مواطنا صالحا أحب بلدي إذا ما انتصر فريق ينتمي إليها وأحبها أيضا إذا ما خسر الفريق أو حتى انهزم الناس كلهم.

اعتقد أن خللا ما حدث في نظرة الفرد للوطن أو المكان الذي يعيش فيه، كنت أظنها ظاهرة مصرية محلية فقط، حيث تظهر وتنتشر في بلدي ويلمسها كل من يسير بالطريق أو يعاشر الناس ويخالطهم، مفهوم حبي لمصر يعني دفاعي عنها في كل مكان وإخلاصي في العمل لنهضتها كان نجاحي لا يتم إذا استمر تأخر بلدي ومصلحتي الذاتية الشخصية تنصهر في المصلحة العامة التي تسيطر على الجميع كان تخريب المال العام أمرا مستبعدا وعبارة "يا عم هو أنا اللي سأصلح الكون" غير مدرجة في قاموسي الفكري.

اليوم، ماذا نرى ونسمع!، غلبت المصلحة الفردية وسيطرت الأنانية وغابت المصلحة العامة وصار حبي لذاتي هو البداية والنهاية، صرت لا أشعر بمن حولي وأعيش كأني في جزيرة منعزلة لا وجود فيها لغيري، لا أشعر بإحساس المواطنة إلا إذا رأيت تجمعا كرويا وانتصر الفريق الذي يحمل علم بلدي، وبتلقائية غريبة وبدون تفكير صرت أنصهر في هذا الرد فعل للحدث وبمجرد انتهاءه تتفرق المشاعر وأعود إلى ذاتي انكمش داخلها وأنسى من حولي.

باختصار صرنا مواطنين حسب الحدث ولم يعد يجمعنا كيان جغرافي ولا رابطة عاطفية، بل صار ما يجمعنا ويفرقنا هو الحدث وتبخر حب الوطن.

هذا ما لاحظته أيضا خلال متابعتي لصور وحكايات كأس العالم 2010 وهي بالتالي تختلف عن صور وحكايات أول مونديال عرفته البشرية.. تغيرنا جميعا إلى الأسوأ وليس إلى الأفضل كما كنت أحب وأتمنى.