الأحد، 8 مايو 2022

حوار مع د.محسن العواجي في فترة الراحة من الاعتقال!

 


محسن بن حسين بن عبد الله العواجي بدأ حياته السياسية أثناء دراسته للدكتوراه في بريطانيا تذوق خلالها قيمة الحرية السياسية وإعداد الدستور واللوائح والانتخابات والاجتاجات وغير ذلك من المصطلحات والمواقف التي كانت جديدة على بيئته المحافظة داخل السعودية قبل ابتعاثه  

تعرض للاعتقال في حياته مرات عديدة من قبل النظام السعودي خلال الأعوام 1991 و 1994 و 2006 و2013  وآخرها في 2018، ولا يزال رهن الاعتقال.
 
التقيت والدكتور العواجي بمدينة الرياض عام 2003.. كان خلالها فيما يمكن تسميته فترة راحة من سنوات الاعتقال، وكان هذا الحوار الذي كشف فيه عن جانب من أفكاره ومبادئه السياسية.
 
***
 

5 سنوات أمضاها هذا الرجل في المعتقل، ربما لأنه كان يرفض الآخر ولا يعترف بالتنوع ولا يؤمن بأن هناك من يعيش إلى جواره ومن حقه أن يختلف معه، وربما لأن من حوله لم يقدروا على سماع من يعارضهم ولم يتعودوا إلا سماع الصوت الواحد.. وأيا ما كان السبب الذي من أجله دخل محسن العواجي المعتقل فلا شك أن هذه السنوات الخمس فعلت شيئا ما داخله! المهم أنه خرج ليجد من حوله قد تغير أيضا وصارت لغة الحوار هي المفروضة وعلى الجميع أن يقبل بالتعايش الآمن في الوطن الواحد، وهذا ما حدث وتؤمن القيادة السياسية في المملكة بأنه الطريق الوحيد للحفاظ على مكتسبات الدولة الواحدة القوية.

وإذا كان ما يحدث على الساحة السعودية من تحاور ورغبة في تقبل الآخر ليس بغريب على دولة تستمسك بثوابت الدين الذي أرسى دعائم الحوار حتى مع الآخر الديني، فإن المثير أن يتحول الرجل من صاحب فكر أحادي لم يتعود سماع رأي مخالف إلى صاحب موقع إعلامي يدشن الحوار ويرحب بالرأي المخالف.

د.محسن العواجي، صاحب أول موقع سلفي على شبكة الإنترنت، ولأن موقعه الفكري كان في أقصى اليمين من هذا التيار جاءت المفارقة، أن يسمح بنفسه وينشر آراء تتعارض كليا مع ما كان يدعو إليه من أفكار.. نجح الموقع وكثر زواره وأصبح يعبر بصدق عن شريحة عريضة من المجتمع السعودي، بل إن بعض الباحثين الغربيين يعتمده كوسيلة علمية في قياس اتجاهات الرأي العام السعودي ومعرفة مدى تطور الحوار الفكري الداخلي.

في الرياض العاصمة التقت "الوطن العربي و الأستاذ الجامعي الدكتور محسن العواجي وكان هذا الحوار الذي نستطيع من خلاله رصد التطور المجتمعي في المملكة العربية السعودية. 

يشكل موقع الوسطية علامة فاصلة بالنسبة للمثقفين السعوديين، وإلى حد ما يمكن تأريخ مواقفهم استنادا إليه، فيصبح الانعزال وأحادية الرأي سمتا لمرحلة ما قبل الوسطية والجرأة والاستماع للآخر صفة المرحلة التالية..إلى أي حد يمكن القول أنكم ناقشتم قضايا الوطن في هذا المنتدى! وهل بالفعل كانت لهذه الحوارات تأثير في الساحة السعودية؟

الإشكالية أن هناك أشياء كثيرة في السعودية لابد أن نناقشها ولحساسية القضايا ليس من السهولة أن يجد الإنسان المدخل المناسب لكي يعرض القضية وذلك سر مأساة المثقف العربي بصفة عامة، والستار الحديدي الذي كان يعاني منه الاتحاد السوفيتي والشيوعية ليس شيئاً بالنسبة للستار الحديدي الذي كنا نعاني منه فكرياً، فالمدرسة الدينية كانت منغلقة على نفسها لدرجة أنها كانت تعيش خارج العالم ومن الممكن اعتبارها في كوكب آخر، ولكن عندما بدأت الأسوار تتحطم وجدت تلك المنظومة نفسها تتعرض لهجوم لم تحسب حسابه وبالتالي أصبح عندنا زلزال تمخض عنه ما يلي:

4 جماعات

·       جماعات متطرفة إلى أقصى اليمين تعتبر من مثلي خارج عن الدين.

·       جماعات أو توجهات هي أقرب ما تكون للبروتستانت في التاريخ النصراني، فهم أناس أصلهم طلبة علم ومحسوبين على التيار الديني لكنهم نفروا وابتعدوا وتمردوا على كل ما هو تقليدي وتراثي.

·       تيار وسطي يحاول أن يجمع كلا الطرفين لأننا جميعا في قارب واحد، والمصيبة أن كلا الطرفين يملك من الأدوات ما يعبر به عن موقفه إما قولاً أو عملاً سواء في وسائل الإعلام أو منابر المساجد.

·       مجموعة المسلحين وهذا أسوأ ما يهدد استقرارنا، ليس في السعودية فحسب وإنما في الوطن العربي كله، فدخول المسلحين الساحة أصاب المجتمع بتصدع كبير وما حدث للأمريكيين مجرد شظية من شظايا الانفجار البركاني الذي صار في أوطاننا بعدما تحطمت الأسوار الحديدية وبعدما جاءت العولمة، في البداية كان التغيير على استحياء ثم جاءت القنوات الفضائية بكل عنفوانها وحطمت كل شيء وأصبح المواطن العربي الآن لا يلتفت لإعلامه المحلي إلا للتسلية فقط، أما إذا أراد معلومة فإنه يتجه لقنوات العدو قبل الصديق فيجد فيها ما يروي ظمأه ويشفي غليله.

الحرس القديم

في هذه الأجواء أردنا أن نمسك بالوسطية، نريد أن نتمسك بثوابت الدين المعلومة ثم أضفنا عليها الثوابت الشرعية من مدرستنا الدينية السعودية، أي أننا تمسكنا بثوابت الدين الذي نزل به الروح الأمين على محمد صلى الله عليه وسلم تلك التي يختصرها حديث رسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين جاء يسأله عما فرض الله عليه، وبعد أن عرفها قال "والله لا أزيد" فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن قال "أفلح إن صدق"، فهذه الثوابت إذن هي ما نتمسك به حاليا لأننا نريد أن نبين للناس من خلال طرح وسطي ما يلي:

أولا: أن ضوابط الدين المعلومة بالضرورة هي الضوابط التي أجمعت الأمة عليها وهي وحدانية الله عز وجل، القرآن الكريم، أركان الإسلام، البعث، وتلك هي الأشياء التي لا يختلف فيها مسلمان ومن تمسك بها منا فهو مسلم له علينا كل حقوق المسلمين.. بعد ذلك نختلف ونقاتل بعضنا البعض كيفما شئنا بشرط ألا يكفر بعضنا بعض، وفي ذلك يقول علي رضي الله عنه لمعاوية: "والله إن ربنا واحد وقبلتنا واحدة وديننا واحد ورسولنا واحد وكتابنا واحد إلا أنهم يتهمونا بقتل عثمان ونحن منه براء"، هذا هو الخلاف.

ثانيا: نريد أن ندخل أدبيات الحوار الإسلامي وليس الحوار القبلي أو حوار العصبيات، والسؤال عند تطبيق هذا الهدف "كيف لنا أن نحقن هذه الحقنة في هذا الجسم المتحجر دون أن يشعر أننا نصفه بالتحجر!"، إن الجانب السيكولوجي لا يمكن إغفاله وهذه مهمة شاقة جداً ولا يمكن أن تتم إلا من خلال الجيل الذي تربى في بيئة التقليدية المحافظة.

من هؤلاء الذين تقصدهم؟

نحن مثل كل المجتمعات الإنسانية لدينا نقاط ضعف، وهناك ما يسمى "بالحرس القديم" في التركيبة الدينية الذي لابد أن نحيده فهو لم يذهب خارج منطقته ولذلك يواجه مشاكل كثيرة، وحميتنا الدينية والوطنية تدفعنا لأن نبين للناس أن باب الجنة ليس من هنا وأنهم ليسوا حراسه ولا يستطيع أحد في الدنيا أن يزعم ذلك لأن الله يقول لمن هم أفضل منا جميعا وهم الصحابة رضي الله عنهم "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم"، كذلك لا يمكننا أن نتجاهل أمر الواقع العربي ولو كنا مؤهلين ولدينا الخيارات لبحثنا عن خيار أفضل وما ترددنا لحظة واحدة، لكننا أصلاً لم نطبع لغة الحوار فيما بيننا ولذلك لا نستطيع إلا أن نستفيد من الأوضاع التي تدور حولنا، نحن نتبع توصيات نيكسون في اقتناص الفرصة، ففي حرب العراق الأخيرة أنشأنا الحملة العالمية لمقاومة العدوان ولو لم نفعل ذلك وقتها ما تركتنا أغلب الحكومات العربية، فهي إذن فرص نحاول أن نقتنصها بما نزعم أنه ذكاء والتوفيق بيد الله عز وجل.

معالم الوسطية

حسنا، فلنعد إلى منتدى الوسطية.. منبركم على شبكة الإنترنت!

معالم الوسطية بكل بساطة هي رد الناس إلى الأصول الثابتة فعلاً ونبرز الإضافات الاجتماعية التي نحاول أن ننبذها ونستبعدها لنطبع لغة الحوار وتحمل الرأي الآخر، ونحاول أيضا أن نقنع الناس الذين كانوا على مر عقدين من الزمن والذين يصفهم الإعلام أنهم أفضل الناس وأفضل البشر وأحسنهم عقيدة نحاول أن نقنعهم أنه إن لم تكن الأسوأ فعلى الأقل لست الأفضل.

يقال دائما أن أصحاب الفكر الوسيط هم أكثر الناس تعرضا للتراشق من الواقفين على يمينهم أو يسارهم، ما مدى الإصابات التي طالتك باختيارك موقع الوسطية؟

لقد أنشأت موقعاً أقوم بالأشراف عليه بنفسي ولابد أن أتحمل القذف من الطرفين فقد وجدها التيار الإسلامي الليبرالي فرصة فمن يشرف على هذا الموقع شخص محسوب على السلفية ورغم ذلك يطرح هذا الطرح الليبرالي الهادف وأنا أرحب بهذا، أما الجانب الآخر" المحافظ " فقد اعتبروا ما يحدث من خلال موقع الوسطية بمثابة "ثغرة في سد مأرب" وأن الطوفان سيأتي من خلال ما ينشر، ولكن لا الليبراليين أحسنوا التصرف من خلال تجربة الثلاث سنوات الماضية ولا المحافظون أحسنوا التصرف.

وقد تطور الأمر بعد ذلك إلى إصدار بيانات تكفير وقد تقبلت السهام من الطرفين وتحملتها طيلة سنتين ونصف دون أن يشعر أي طرف أنني منحاز إلى الآخر، وفي رأيي أن الناس لم تتعود على النقاش والحوار وتجربة موقع الإنترنت يرتاده كل يوم أكثر من خمسة عشر ألفا أو أكثر، كيف يتسنى لهؤلاء أن يحلوا مشكلة أو يتفقوا! فهؤلاء هم جزء من التركيبة العربية بل هم عنصر أصيل فيها ومن طبيعتهم ألا يتفقوا.

أضف إلى ذلك أن المجتمع السعودي مازال في بداية استخدامه للإنترنت أي في بداية التنفيس العام في جميع الاتجاهات، وهو الآن يجد نفسه يتحدث إلى وسيلة نشر مباشرة وباسم مستعار فهو يظهر بشخصية غير عادية على أمل أنه بعد "التنفيس" يمكن أن يرجع إلى شخصيته الطبيعية، لذلك نجده مسرور جداً من الإنترنت ومن السب والشتائم الموجود باسم مستعار فذلك يشبه "القيح" الذي لابد أن نتخلص منه حتى يسلم الجسم.

هؤلاء الذين كانوا لا يقبلون أي رأي مطلقاً يخشى عليهم الآن أن يكونوا ليبراليين، لذلك فإن الإسلاميين الليبراليين المتعقلون ـإن صح التعبير ـ ومن يطلق عليهم وسطيين هؤلاء يكتسبون الساحة حاليا، أما الليبراليين الذين هم بقايا القوميين فلا سوق لهم عندنا إطلاقاً لأن الدين هو السائد ولابد أن يتمسك الليبرالي بالدين لكي يكون مقبولا، والمستقبل لهؤلاء المفكرين، سواء كانوا إسلاميين أو مثقفين، الذين يطرحون طرحاًُ وسطياً شجاعاً مباشراً يتحدثون عن آلام الناس ومعاناتهم ولا يقصرون الإسلام في شعائر محدودة كما يفعل "الحرس القديم" حينما كانوا يشعرون الناس أن ذلك هو الإسلام.. الآن تتم مناقشة حقوق الناس بكل شفافية من عدل اجتماعي وعدالة توزيع الثروة وما هي الطريقة المثلي التي يعبر بها الناس عن آرائهم بحرية وكيف يختار الناس ممثليهم، وغير ذلك من قضايا.

إذن الوسطية تعكس حال المجتمع السعودي في التقلبات الحالية؟

مع الحفاظ على هويته لأنه مجتمع مسلم.

من خلال موقع الوسطية هل لاحظت من أي الأجيال أغلب الزوار؟

يبدو أنهم ما بين العشرين إلى سن الخامسة والثلاثون أي الجيل الذي تربى على أفكار وقيم واردة من الخارج.

حسنا يبدو أنك قرأت أفكاري، في السعودية أيهما الأوسع انتشارا حالياً المقولب أي "المعلب" أم هؤلاء الذين أطلعوا على ثقافات أخرى وغيروا من أفكارهم؟

تيارات متلاطمة

قبل وجود القنوات الفضائية كانت الأغلبية الساحقة ممن أسميتهم "المعلب"، لكن بعدما جاءت القنوات الفضائية أصبح المعلبون أقلية ولهم علينا حق الرأفة والرحمة والشفقة لأننا أصلاً لا نريد أن نضر أحد نحن فقط نريد الوعي وأصبحنا قلقين على انفتاح غير المعلب لأن ذلك مشكلة فنحن لدينا إطار معين ونريد أن نمارس حريتنا الثقافية من خلال هذا الإطار.

الآن نحن مهددون لأن هذا الإطار أصبح تحت ضغط رهيب جداً من هذه التيارات التي أصبحت متلاطمة داخل هذا التيار فكل منها يبحث عن الحقيقة وبما أنه لا توجد قيادة علمية متميزة تكون محوراً لهذه التيارات فقد ينفلت الأمر وهذه إشكالية كبيرة ونحن لا نريد أن تستنسخ تجربة الكويت التي تعاني الانشطار الحاد فنجد لديهم حرية لكن ليس هناك مدرسة جامعة  تملأ الفراغ وذلك عكس الأزهر الذي كان يمثل لفترة طويلة محوراً يحظى باحترام شريحة عريضة من العالم الإسلامي وليس المصريين وحدهم، وكنا في السعودية نرى أن الأزهر بدعة وضلال والآن حينما جاءت العولمة وجدنا الأزهريين والأخوان المسلمين أكثر قدرة على التعايش مع العولمة من كثيرين لا يعرفون كيف يتصرفون.

في بداية التسعينات من القرن الماضي برز جيل جديد من الشباب العربي، فخرج سفر الحوالي أستاذ العقيدة في جامعة أم القرى حيث نزل القرآن ليناقش مشايخه ومنذ تلك اللحظة أصبح سفر الحوالي رمزا لا يستهان به إلى الآن، المجتمع إذن تغير والناس أيضا ولم تعد الأجيال الصاعدة كما قال الفرزدق "ما قال لا قط إلا بتشهده".

هل نستطيع القول أن أصحاب التيار الديني المستنير هم الذين يمتلكون زمام المبادءة دائما في المملكة العربية السعودية؟

موقع الوسطية كان أول موقع له علاقة بشخص من التيار الديني في السعودية لذلك توجهت إليه الأنظار وشارك بالكتابة فيه مجموعة من الأخوة بأسمائهم الصريحة وقدموا بالفعل طرحا جديدا، وفي خضم هذا الصراع تم إرساء الضوابط على مرحلتين:

في المرحلة الأولى خرجت مجموعة ممن دخلوا الموقع وأسسوا موقعا آخر أسموه "طوى"، وقد حدث ذلك لأننا لم نكن لنسمح لهم بتلك الحرية المطلقة التي يسبون فيها كل شيء حتى الدين والقرآن ويمجدون الشيطان، لن نسمح بذلك وهناك حد لابد أن يقفوا عنده.

المرحلة الثانية جاءت بعد حوالي سنة ونصف من إنشاء موقع " طوى" وكنا قد بدأنا نشدد بعض الشيء حيث لاحظنا البعض ينتقد بطريقة حكيمة ويسبون بطريقة لبقة بعض الشيء، فلما ضيقنا قليلاً خرج موقع آخر هو " المحاور " جميع كتابه من أبناء الوسطية.. موقع الوسطية إذن كالثانوية العامة خرج كل هؤلاء ليذهبوا إلى هذه المعاهد.

لكن لماذا لم يتسع لهم منبر الوسطية؟

لأن كل طرف يريد مني أن أحكم على خصمه ثم نقول إنه حوار، ولكن لابد أن يحكمنا دائما      منطق الحوار فإذا هزمك صاحبك بمنطقه وهو متأدب فذلك معناه أن كلاكما كفء، وفي البداية كنت أتعامل معهم كالطبيب النفسي أحاور كل منهم بلغة حتى أشتد عود هذا الموقع وقوي ثم تمخض عنه مجلة اسمها "الوسطية "وهي مجلة شهرية استكتبنا فيها الواقع ويشرف عليها أساتذة أفاضل في مقدمتهم من مصر د.محمد عمارة والأستاذ فهمي هويدي، وقد تعرضت المجلة لما تعرض له موقع الإنترنت من هجوم وتأييد حيث عرضنا خلال أحد الأعداد ملف كامل عن التكفير فكان هناك من يؤيده ومن يرفضه لكن المجلة عموما تتميز بأنها أكثر انضباطاً من الموقع.

المثقفون والتغيير

من خلال تعاملك مع موقع الوسطية هل تعتقد أن هناك تغييراً يحدث في المجتمع السعودي؟

في الواقع ما يحدث هو تغيرات ونحن رغم زعمنا بأننا مثقفين لكننا في الواقع غير قادرين على الاستيعاب وفي مواسم الأحداث الكبار نشعر بأنه هناك قابلية للنقد واستعداد لتطوير بعض آليات الإصلاح السياسي والاجتماعي والمالي بشكل يختلف تماماً عن السابق لذلك أعتقد أن المجتمع السعودي يختلف تماماً عن ذي قبل ولا وجه للمقارنة مع الفترة السابقة.

لقد خرجت من السجن عام 1999 ولم تمر ثلاث سنوات إلا وحدثت تطورات على الصعيد المحلي تمثل فتحاً فهي كالزلزال الذي أحدث صدوعاً في صخرة صماء فتحرك الماء الزلال من بين هذه الصخور وذلك ما حدث، واعتقد أنه منذ عام 2001 إلى الآن ومع توالي الأحداث أننا وصلنا إلى درجة من التشبع فيما يخصنا فالهامش الذي كنا فيه كاف لأن نقف كمواطنين ثم نرجع إلى الوراء ونرمم ونصلح ما هو موجود قبل أن نطالب الحكومة بالإصلاح.

أنت إذن على عكس ما يقوله البعض من أنه جاء دور الحكومة لتدعيم لغة الحوار وتعزيز الإصلاحات؟

الحكومة الآن تقريباً اتخذت طريقها في دعم عمليات الإصلاح المطلوبة، بل لقد قبلت بالفعل وجود تيارات أخرى تخالفها في الرأي، ويكفي أن تعلم أن هذا التيار الوسطي هو الذي ينادي بالإصلاح الشامل الذي لا تكون فيه أية مجاملة، نحن ليس لدينا أي حسابات شخصية مع أي طرف ولدينا مشكلة واحدة هي الإصلاح الذي يجب أن يتم حتى نواكب من حولنا من الأمم. ونحن لا نريد إصلاحا على النمط القطري أبداً، وإلى حد ما النمط الكويتي مقبول رغم ما فيه من انشطارات إلا أن لديهم انتخابات حقيقية وبرلمان حقيقي، وكذلك النمط المغربي.

نحن نريد إصلاحا سياسيا، نريد قضاء مثل القضاء المدني المصري ولا بد أن يكزن القاضي مؤهلاً تأهيلاً شرعياً ولديه وعي كامل يجعله يدرك أنه حينما يتقاضى عنده اثنان مهما كان دينهما وانتمائهما فلابد أن يحكم بينهما بالعدل مثلما كان القاضي "شريح" الذي كان يحكم بين علي بن أبي طالب ويهودي فقال لعلي "أجلس يا علي" ولم يقل يا أمير المؤمنين أو فخامة الرئيس ثم حكم بينهما بالعدل دون النظر لهوية كل منهما.

خارج السور

استناداً إلى ماذكرت هل مجموعة الإسلاميين الليبراليين حالياً يشكلوا وحدة عمل واحدة أم أنهم جزر منعزلة؟

بداية لا أحب أن اسميهم إسلاميين ليبراليين إنما أسميهم وسطيين فأمة الإسلام أمة وسطية والإسلام دين وسط وكتابها كتاب وسط، لقد أطلقت عليهم ذلك قبل قليل حتى أميزهم عن المحافظين والذين يعتبروا متشددين وسلفيين وأحياناً يطلق عليهم حنابلة أو وهابيين، نحن لدينا تيار يبدأ من الإسلامي الليبراليين وينتهي بالليبرالية الإسلامية، ومن حسن حظنا أنه لا توجد لدينا أحزاب سياسية فلو وجدت أحزاب لأصبحت تكتلات صغيرة تتصارع فيما بينها مثلما يحدث في أي منطقة أخرى في العالم لكن بفضل الله الحكومة السعودية منعت جميع الأحزاب فأصبح الشعب السعودي خارج السور يشكل حزباً تلقائياً ولو بذلنا قصارى جهدنا لنكون هذه الوحدة في معارضة الفساد ما استطعنا، ويتميز هذا التيار في الوقت الراهن بميزة وهو أنه غير منظم إلا أن وجهة هذا التيار واحدة فهو يوجد نوعاً من الاحتكاكات الداخلية والتي تعتبر طبيعية إلى حد ما والتوجه العام له ينبأ بأنه تيار واعد ويملك في الوقت الراهن من الوعي ما يؤهله لينافس في ميدان الإصلاح السياسي ويراهن كبار الأمراء على استمرار هذا التيار.

هل الرأي العام السعودي مع هذه النخبة المثقفة أم غير مبال بها؟

الرأي العام يريد أن تحل جميع مشاكله سواء الاجتماعية أو الاقتصادية والمثقفين فقط هم الذين يستطيعون العزف على هذه الأوتار كالذي يقوم بحملة انتخابية في بلاد الغرب سواء كان جاداً أم غير جاد فإجادة العزف على احتياجات الناس تضفي جماهيرية غير طبيعية.

هل أنت متفائل بشأن المستقبل والحوار الوطني داخل السعودية ومن ثم الإسراع بعملية الإصلاح؟

نعم أنا متفائل لكنني متخوف من دخول عامل ثالث لا نحسب له حساب وهو " أمريكا" العدو اللدود لنا هنا في السعودية ولكل العالم الإسلامي، إذ لما دخلت أمريكا أفغانستان فبدلاً من أن تعطي صورة أنها رائدة حضارة أعطت صورة أنها رائدة حظيرة، وتكرر الشيء نفسه مع دخولها العراق فكما تلاحظ هم يكلفون يهودياً من جامعة نيويورك يعمل أستاذ مساعد في القانون ليرأس لجنة الدستور العراقي بحيث لا نجد كلمة إسلام ولا عروبة.

وأمريكا في حملتها الأخيرة ضد الإرهاب سحبت من مطالبها الإصلاح الديمقراطي، ولذلك هم خسروا ما يسمى بالرهان الحضاري والريادة الحضارية ولذلك فإن تخوفي من أمريكا يتركز في أن تأتي وتفرض نمط من الإصلاح لا نريده، ونحن العرب قد نختار ديكتاتورية أي حاكم قبل أن نعطي رامسفيلد أو أي شخص آخر فرصة ليعطينا فلسفته وكيف يكون الحكم في دولتنا، نعم لا تندهش من رؤيتنا فمن الممكن أن يزول هذا الديكتاتور بقدرة الله في يوم من الأيام لكن أن يأتي هذا المستغرب ثم يضخ فكره المستغرب بعد أن أفلس فذلك مرفوض.




 


 

 

 

 

السبت، 23 أكتوبر 2021

إكسبو 2020.. ماذا يحقق لإمارة دبي.. والإمارات؟

 


إكسبو 2020 المقام حاليا في دبي، هل فكرت لحظة ما الذي يحققه هذا الحدث الضخم لإمارة دبي؟ بالتأكيد أي فعالية أو حدث بهذا الحجم يحقق الكثير من المنافع وتصاحبه أيضا بعض المخاطر.

اكسبو، هو الحدث الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، ويعتبر ثالث أهم حدث بعد كل من بطولة كأس العالم لكرة القدم ودورة الألعاب الأولمبية من حيث الصدى الاقتصادي.

وهو معرض دولي يقام كل 5 سنوات في بلدان مُختلفة حول العالم ويستمر المعرض لمدة 6 أشهر، يجذب خلالها ملايين الزوار بهدف التعرف على الأجنحة والفعاليات المقامة داخل المعرض، والتي يتم تنظيمها من قبل ملايين المشاركين، الذين يتواجد بينهم الشركات والحكومات والمنظمات الدولية.

ويأتي هذا الحدث في وقت تحاول فيه الإمارات التعافي من واحدة من أسوأ حالات الركود لديها منذ خمسة عقود، إذ انكمش الاقتصاد، في العام الماضي، بنسبة 6.6٪ حتى مع إعلان الحكومة سلسلة من الإصلاحات لجذب الاستثمارات، وقد بدأت بعض هذه الخطوات تثمر مع قيام صندوق النقد الدولي برفع توقعات النمو لدولة الإمارات إلى 3.1٪ لعام 2021.

وتتركز المنافع الاقتصادية غير المباشرة من تنظيم إكسبو في تنشيط قطاعات الإنشاءات والعقارات على النحو التالي:

  1. تعزيز اقتصاد إمارة دبي والدولة بوجه عام إذ يعتمد نموذجها الاقتصادي بشكل كبير على القطاعات التي يحركها الإنفاق الاستهلاكي، مثل الضيافة وتجارة التجزئة الفاخرة والسفر.. ومن المتوقع أن يعزز المعرض اقتصاد دبي بمقدار 33 مليار دولار.
  2. يرفع المعرض قيمة التجارة غير النفطية إلى 4.5 تريليونات درهم خاصة في قطاعي الطيران والضيافة
  3. تحسين خدمات المواصلات والبنية التحتية، وزيادة فرص الحداثة والرفاهية عن طريق المبادرات والمشاريع المختلفة التي من شأنها أن تضع دبي على الخارطة العالمية كإحدى المدن الذكية.
  4. تنشيط سوق العقارات والذي شهد زيادة ملحوظة منذ البدء للاستعداد لهذا الحدث، كما لوحظ طلبا غير مسبوق على المساحات المكتبية والتجارية للاستفادة من الازدهار التجاري والاقتصادي.
  5. تعزيز القطاع السياحي، وتنشيط ونمو قطاع الطيران والضيافة، والفنادق، والخدمات اللوجستية، والاتصالات.
  6. اكتساب خبرة كبيرة في قطاع تنظيم المعارض ووضع مدينة دبي على خارطة المعارض الدولية، وهو ما يحقق فوائد جمة على المدى القصير والآجل.
  7. تحقيق فرص قوية لشركات التأمين وهو ما يعزز من نشاط وأداء الاقتصاد الوطني أيضا.
  8. يعتبر إكسبو 2020 منصة لتنمية التفكير الإبداعي والاستدامة وتعزيز مهارات الشباب واستقطاب المبدعين من حول العالم وتعزيز الشراكات الدولية.
  9. استقطاب وتوطين التكنولوجيا، وتصدير أنماط جديدة منها.

ورغم كل هذه الفوائد التي حاولنا إيجازها في نقاط، لكن هناك بعض المخاطر التي تصاحب معرض إكسبو 2020، فمن الواضح حتى الآن أنه كانت هناك مغالاة في توقعات حجم الزوار مما قد ينشأ عنه مخاطر في التكلفة.

ومثال ذلك ما حدث في معرض هانوفر بألمانيا عام 2000 حيث تسبب انخفاض عدد الزائرين في حدوث خسائر مالية أثرت بالسلب على الاقتصاد الألماني.

أيضا يجب ملاحظة أن معرض إكسبو شنغهاي والذي حقق 73 مليون زائر تقريبا كان من بينهم 69 مليون زائر من داخل الصين بينما لم يتعد عدد الزوار من الخارج 5% فقط.

أما عن إكسبو 2020 فقبل أن يجبر الوباء دبي على تأجيل الحدث، توقع المنظمون 25 مليون زيارة خلال المعرض الدولي الذي يستمر ستة أشهر حيث بدأ من 1 أكتوبر/ تشرين الأول وسوف يستمر إلى 31 مارس/ آذار 2022.

ومع ذلك، وعلى الرغم من القيود المفروضة على السفر، وعمليات الإغلاق الأخيرة في بعض أجزاء أوروبا، ما زال المسئولون متمسكون بهدفهم الذي كان قبل الجائحة.

وبالتأكيد هذه توقعات متفائلة تخص حدثا يعتمد على السياحة، في وقت خفضت فيه معظم الدول السفر الدولي، لكن المؤتمرات الشخصية والمعارض التجارية المختلفة التي عُقدت في المدينة على مدار الأشهر القليلة الماضية جعلت المنظمين أكثر تفاؤلاً، بل ويؤكدون أن 70 % من إجمال الزوار سيأتون من خارج دولة الإمارات العربية المتحدة، ويقول المنظمون إنهم "سعداء" بمبيعات التذاكر حتى الآن.

لكن معظم المحللين يعتقدون أنهم سيكافحون لتحقيق هذا الهدف بسبب القيود المستمرة على السفر العالمي، ويقول سكوت ليفرمور، كبير الاقتصاديين المتخصصين في منطقة الشرق الأوسط في "أكسفورد إيكونوميكس" أنه حتى لو كان الحدث ناجحا جزئيا ولم يصل عدد الزوار إلى هذا الرقم، فإنه من المؤكد أن إكسبو 2020 سوف ينعش اقتصاد إمارة دبي ويعيده إلى مستويات ما قبل الوباء.


الخميس، 12 أغسطس 2021

هل تقرر السعودية إعدامه؟.. حوار مع الدكتور عوض القرني




 




د. عوض القرني.. الداعية السعودي، هل تتذكرونه؟

 بالتأكيد فهو رجل لا ينسى

 حتى 12 سبتمبر 2017 كان يتابع تغريداته الملايين حول العالم

لكن منذ ذلك اليوم توقف عن التغريد.. لقد تم اعتقاله

 اعتقل في سبتمبر 2017 في حملة اعتقالات بتهم الفساد في السعودية، طالت العشرات

 والدكتور عوض ب محمد القرني داعية إسلامي سعودي ولد عام 1376 هـ بمحافظة بالقرن ب منطقة عسير

 وحصل على الدكتوراه في الشريعة الإسلامية تخصص الفقه وأصول الفقه وعمل أستاذا بـجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فرع أبهان

 يعد الدكتور عوض القرني من أشد خصوم الحداثة والعلمنة في الساحة السعودية

 ويعد كتابه (الحداثة في ميزان الإسلام) الذي ألفه في سن مبكر - واعتبر فيه أن الحداثة هي مذهب فكري وليس فقط منهج فني أدبي - أحد الكتب التي أحدثت ضجة كبيرة في المشهد الثقافي السعودي

 فقد حمل تقديم أكبر مرجع ديني في البلاد في ذلك الوقت الشيخ عبد العزيز بن باز

 من الكتب والمؤلفات التي قدمها للمكتبة الإسلامية: 

تحقيق كتاب كاشف الرموز ومظهر الكنوز شرح مختصر ابن الحاجب، في أصول الفقه الشافعي(مجلدان)

تحقيق أربعة مجلدات من كتاب التحبير شرح التحرير في أصول الفقه الحنبلي.

أسباب وآداب الخلاف.

من معالم الدعوة الراشدة.

الصحوة الإسلامية وكيف نحافظ عليها

الحداثة في ميزان الإسلام. (يعد أهم مؤلفاته)

حتي لاتكون كلاً "طريقك إلى التفوق والنجاح

المختصر الوجيز في مقاصد التشريع.

فقه الخلاف.

تحقيق ودراسة مخطوطة في الإجهاد والتقليد.

 حوار القرني:

يحاكم القرني حاليا بموجب قانون مكافحة الإرهاب

 في عام 2003 التقيت الدكتور عوض القرني بالسعودية، بمقاييس "حرية التعبير" في ذلك الوقت كان حوارا ساخنا

 تحدث فيه عن ولي العهد في ذلك الوقت .. عبد الله بن سعود

 وتحدث عن الحوار الوطني الذي أطلقه الأمير عبد الله

 وعن التدين في السعودية

 وعن الحوار مع الآخر المختلف فكريا وعقائديا

 وإلى تفاصيل الحوار الذي جرى منذ 18 عام لكن قضاياه ما زالت مثاره إلى الآن:  

الأسبوع الماضي اتخذت السعودية قرارا مهما بإنشاء مركز دائم للحوار الوطني، القرار يأتي ضمن سلسلة القرارات الجادة التي تهدف إلى تفعيل الرؤية الإصلاحية التي أعلن عنها الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد ودار حولها النقاش في دوائر المفكرين والمثقفين ونشر بعضها في وسائل الإعلام السعودية إلى أن توج هذا الحوار المفتوح بآخر مقنن وبرعاية ولي العهد حيث عقدت جلسة الحوار الوطني الأولى في مكتبة الملك عبد العزيز بالعاصمة الرياض وفي بيانها الختامي أوصى المجتمعون بتكوين مركز دائم للحوار فما كان من الأمير عبد الله إلا أن قال "لا تقولوا توصية، واعتبروه قرار".. وهذا بالفعل ما حدث وتشكل المركز ليقوم بترشيد الحوار وتفعيل قراراته لتصبح يوما بعد آخر خطوة عملية ترسي بناء سياسيا جديدا داخل المملكة العربية السعودية.

"الوطن العربي" التقت والمفكر السعودي الدكتور عوض القرني أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة أم القرى وعضو لجنة الحوار الوطني وأحد المشاركين بفاعلية في الجلسة التمهيدية التي عقدت بمدينة الرياض، وخلال الحوار معه نستكشف أبعادا جديدة حول المنهجية التي يبنى على أساسها مستقبل المملكة السياسي ونتعرف على خفايا مما دار ف الاجتماع الأول ونستشرف ملامح الغد وكيف يفكر مفكرو المملكة ومثقفيها.

·        بداية، لماذا الحوار الآن في المملكة العربية السعودية؟

-أولا الحوار قيمة من القيم الموجودة في حضارتنا وثقافتنا وورد الأمر بها في القرآن الكريم وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وطبقها المسلمون في تاريخهم الطويل سواء كان هذا الحوار بين فصائل الأمة المختلفة وبين فرقها وطوائفها وشرائح المجتمع، وسواء كان الحوار حول قضايا دينية أو أمور دنيوية.. وكذلك الحوار بين الأمة المسلمة والأمم الأخرى.. فالحوار أصلا قيمة من القيم الحضارية الموجودة في تاريخنا والمؤصلة في ديننا وثقافتنا، ولذلك لا يستغرب أن يطرح الحوار في عصرنا هذا بالمملكة العربية السعودية التي ترفع شعار الإسلام وترى أنها تنتمي إلى حضارة الإسلام وقيمه وتمثله في هذا العالم.

ومن الناحية الموضوعية، إذا أخذنا بظروف الزمان والمكان، هناك الكثير من المخاطر التي تتهدد المنطقة عموما والأمة الإسلامية والسعودية خصوصا.. وهذه المخاطر لا تخفى على أحد، سواء كانت ناتجة عن الهيمنة الأمريكية على العالم ومصادرتها لجميع حقوق الآخرين في الاختلاف والتنوع الحضاري والثقافي، أو في المخاطر التي تمثلها الصهيونية من خلال هيمنتها على الكثير من الأنظمة السياسية في الغرب وتسييرها لمصلحة دولة إسرائيل في المنطقة ومحاولة تفتيت المنطقة وضرب دولها العربية والإسلامية ومحاولة التأثير في مقدراتها وثرواتها ووحدتها.. وأيضا هناك بعض التحديات الداخلية التي لا تنفصل عن كونها استجابة لمشكلات خارجية مثل الغلو الموجود حاليا والتطرف الذي اجتاح المنطقة.. لكن على العموم فإن أهم الأسباب هو الغطرسة الصهيونية والظلم الأمريكي الموجود في المنطقة.

هذه التحديات كلها كان لا بد من مواجهتها بشيء من الرؤية المستبصرة والصراحة والحوار والنقاش والطرح وأيضا الإجماع الوطني الذي يأتي من خلال حوار بناء بين جميع أبناء الوطن الذين يجمعهم إطار واحد ويتفقون على مرجعية واحدة، فكانت هذه الأسباب والدواعي هي أهم المؤثرات التي جعلت الحوار في هذا المرفد الزماني ضرورة وطنية.

قرية كونية

·        ماذا تقصد حين ربطت بين دوافع الحوار المحلية والمتغيرات الإقليمية الدولية؟

-نحن الآن نعيش في قرية كونية ولم يعد الأمر كما كان سابقا حين كانت المؤثرات تنتقل من مكان لآخر انتقالا بطيئا، أما الآن فإنها تنتقل في ذات اللحظة والدقيقة وأي حدث قد يقع في شرق العالم فمن الممكن أن تقوم المظاهرات بشأنه في غرب العالم، ودول تنهار في شمال العالم تتأثر أخرى في جنوبها، وبالتالي نحن لا نستطيع الانفصال عن العالم وما يجري في المنطقة، ولكوننا جزءا من الأمة المسلمة والأمة العربية فإن ما يؤثر على أجزاء هذه الأمة يؤثر علينا بالتالي، فالأمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كالجسد الواحد إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. وكذلك العالم من خلال المصالح المشتركة ومن خلال المؤثرات الثقافية والإعلامية والحضارية المختلفة والتواصل، فهذا له انعكاساته الداخلية.

ونحن أيضا عندنا مشكلاتنا الخاصة بنا في الداخل التي هي نتيجة لسياقات اجتماعية وتاريخية وسياسية ومحلية واقتصادية أيضا حيث لدينا مشكلات في البطالة والدين العام، ولدينا تردي في الخدمات التعليمية وغيرها، ولدينا المشكلات الأمنية الناتجة عن الغلو والتطرف، لدينا مشكلات خاصة بالمرأة والعنوسة.. مشكلات الداخل إذن كثيرة وهي ليست بعيدة عن التأثر بالمشكلات الخارجية، وهذه وتلك تشكل في النهاية تحديا كبيرا أمام الأمة والوطن ونحتاج من أبناء الأمة والوطن إلى تدارس أمورهم ومشكلاتهم.

·        ما هي المحاور التي تم على أساسها تفعيل الحوار الوطني الذي انتهى بتأسيس المركز الدائم للحوار؟

-كان هناك محوران رئيسيان، المحور الأول كان يتعلق بالقضايا الداخلية على اختلاف تشعباتها، سواء كانت قضايا سياسية مثل المشاركة السياسية وتطوير النظام السياسي، أو الجوانب الاقتصادية المختلفة، أو الجوانب الاجتماعية المتعددة ومن بينها قضايا المرأة والشباب وقضايا الطفل، وكذلك الجوانب التعليمية والإعلامية، والقضايا الشرعية من حيث الإفتاء والقضاء والدعوة والحسبة وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومشكلات خدمات الناس من الصحة والكهرباء وغيرها من الخدمات والقضايا المحلية التي تبحث في العلاقة بين النسيج المجتمعي وطوائفه المختلفة والعلاقة بينهم وكيف يمكن أن يكون هذا التنوع في إطار الوحدة الواحدة سببا في الإبداع والتطوير والتنمية.

المحور الثاني تضمن العلاقات الخارجية وانعكاساتها على الوضع الداخلي وعلى قيمنا وخصوصيتنا وكيف يمكن أن نقدم رؤيتنا للعالم ورؤيتنا الاجتماعية والحضارية وكيف يمكن أن نحاور العالم من خلال هذه الرؤية وهذه الخصوصية، ما الذي نستطيع أن نضيفه للعالم ونستطيع أن نسهم به في حل مشكلات العالم.. وعندما ناقشنا هذا المحور وتفاصيله كنا نستبطن أننا جزءا من أمة ومن حضارة، وكنا نتحدث من هذا المنطلق.. هذه هي مجمل القضايا والمحاور التي يدور حولها الحوار.

·        معنى ذلك أن جلسة الحوار التي عقدت بالرياض ناقشت القضايا بصفة عامة وليس بالتفصيل؟

-لا أقول أننا ناقشنا عناوين الموضوعات، ولا أقول أنه قدمت الدراسات التفصيلية على شكل برامج، نحن يا أخي الكريم استغرقنا حوالي 40 ساعة في جلسات الحوار الذي استغرق خمسة أيام، وفي هذه الساعات عندما يتحاور مجموعة من أهل العلم والثقافة والتخصص والفكر فإنهم قطعا سيصلون إلى نتائج مهمة في الكثير من القضايا التي فصلنا في بعضها تفصيلا جيدا وأخرى كان التفصيل فيها مجتزأ، لكنه بلا شك ومن وجهة نظري قدمت حلول وطرحت أفكار جريئة وصريحة لأول مرة تطرح في مثل هذا الإطار على مستوى الوطن.

حلول وأفكار

·        هل يمكن التعرف على أبرز هذه الحلول والأفكار؟

-هذه الأفكار والحلول ليست جديدة في طبيعتها، لكن جديدة في السياق الذي وردت فيه.. فكون أن يجتمع مجموعة من أطياف المجتمع المختلفة في مكان واحد لبضعة أيام وبمباركة رسمية فهذا هو الجديد.. لكن سابقا جزء من هذه الأفكار طرحها أشخاص لكن إما طرحت في فضائيات وصحف أو دراسات وندوات خاصة ولم يكن لذلك الطرح أي مباركة رسمية بل أحيانا ممانعة وبعضنا عندما قدم تلك الطروحات قبل سنوات تعرض لمشكلات جمة، لذلك فالجديد هو المباركة الرسمية والسياق والإطار العام الذي جمع كل هؤلاء فجمعت كل هذه الرؤى.. وفي الحقيقة فقد استشعر الناس حينما اجتمعوا جميعا بالمسؤولية الملقاة على عواتقهم ذلك أننا حينما كنا نقدم هذه الرؤى فرادى وعلى صفحات الجرائد كنا نفعل ذلك ونحن مسئولين عن ذواتنا، لكننا حاليا حين نفعل ذلك رأينا أنه ينظر إلينا باعتبارنا ممثلين لهذه الأمة واستشعرنا بهذه المسؤولية وحاولنا أن نحافظ على طرفي المعادلة وهو أن نقول كل ما نريد ومما نقتنع أن فيه مصلحة الأمة والوطن، وفي الوقت نفسه لا نجهض التجربة في بدايتها بل نشجع على استمرارها وتطويرها.. هذا كان إجماع الذين شاركوا في الحوار وظني أننا حققنا شيئا كثيرا من هذا.

·        نعم، لكني أريد معرفة ما الذي تم تحقيقه في نقاط؟

-لو رجعنا إلى التوصيات التي صدرت والبيان الختامي فلربما كانت عناوين تعبر عما تحقق، لكني لن أحصرها وسأكتفي بضرب بعض الأمثلة كالتالي: 

 الأمر الأول.. وجود الحوار في حد ذاته مكسب كبير وخطوة متقدمة وغير عادية لأنه لم يكن هناك في السابق حوار بهذه الكيفية بين الأطياف الفكرية والثقافية والسياسية الموجودة في المجتمع وبين النظام وقد اكتشفوا جميعا أثناء وبعد الحوار أنهم لحمة واحدة لكن ما كان هناك مجال للحوار بهذه الصورة وتلك الشفافية والمباشرة.

الأمر الثاني.. أننا كنا في السابق يتحدث بعضنا عن بعض، أما اليوم فقد استمع بعضنا لبعض وأصغى بعضنا إلى بعض وعرف بعضنا البعض الآخر، فمثلا موافقة الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد على إنشاء مركز للحوار الوطني واستمرار هذه القضية لتؤكد أن المؤتمر الذي عقد بالعاصمة الرياض كان مجرد البداية ولن يكون حتما النهاية، وقد طالبنا سمو ولي العهد بأن نكثف الحوار في الأيام المقبلة، وهذا بلا شك مكسب وقد تحقق.

الأمر الثالث.. يتعلق بنوعية القضايا التي ناقشناها والجو الذي دار فيه الحوار، فقد طالبنا مثلا  أن يعمم الحوار وتشارك فيه فئات لم تكن موجودة في السابق أو لم تكن مشاركة بصورة كافية مثل بعض أبناء الوطن من الليبراليين ذوي التوجهات العلمانية، كما أننا طالبنا أيضا بأن يشمل الحوار جميع قطاعات المجتمع ويصبح منهجا عاما حتى يصل إلى المدارس وتصبح الأمة مؤهلة لأن تبدع وأن تواجه الحضارات الأخرى فتأخذ خير ما عندها وتتقي شر ما فيها ويخالف خصوصيتنا عن قدرة وعن ثقة.. أيضا عندما تحدثنا عن قضايا المرأة وقضايا التعليم والغلو والتطرف وعن قضايا الدين العام وقضايا التنمية والعدالة في توزيع الثروة وعن المشاركة السياسية والعلاقات الدولية وكيف ينبغي أن تكون.. حين تحدثنا عن كل هذه القضايا ولأول مرة فذلك في حد ذاته مكسب كبير وفائدة عظيمة تحققت.

لجنة تحضيرية

·        ذكرت أنه كان من بين طلباتكم توسيع دائرة المشاركين في الحوار بحيث يضم مختلف التوجهات في المملكة، كيف تم اختيار المجموعة الأولى التي شاركت في الحوار الأول الذي عقد بالرياض؟

-أود بداية الإشارة إلى أنني عندما ذكرت لك بعض العقبات التي تواجه الأمة كانت تلك هي المحفزات الداعية لمثل هذا الحوار، ثم كانت هناك العديد من الكتابات التي نشر بعضها في الصحف وكتبت أخرى على شكل رسائل وجهت لأصحاب القرار والمسئولين في الحكومة، بعضها فردية وأخرى جماعية، أما عن الكيفية التي تم على أساسها اختيار المشاركين فقد كانت هناك لجنة تحضيرية برئاسة سمو ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز ورشحت الأسماء عن طريقها وإن كنت لا أعرف حقيقة المعايير التي تم على أساسها الاختيار لكن ظني أنه كانت هناك أربعة معايير رئيسية:

المعيار الأول هؤلاء الناس الذين يعتبرون قيادات جماهيرية ولهم طرح فكري متميز.

المعيار الثاني محاولة أن يمثل المشاركون جميع المناطق داخل المملكة.

المعيار الثالث أن تمثل جميع الطوائف الموجودة في السعودية.

المعيار الرابع ضرورة تمثيل جميع التخصصات التي لها علاقة بقضايا الأمة.

·        هل كان المقصود أن يكون حوارا دينيا فقط؟

-أؤكد لك بكل صدق أنه لم يوضع أمامنا أي خطوط حمراء، وهذه كلمة ينبغي أن تسجل للتاريخ، فنحن منذ اليوم الأول وأثناء الحوار الأولي لتحديد ماذا يراد بالحوار فقيل لنا ليس هناك أي خطوط حمراء أمامكم على الإطلاق وليس هناك أي سقف لمطالبكم وطروحاتكم سواء في الموضوعات أو طريقة الطرح والتناول، أنتم أحرار في كل شيء فقط استشعروا مسئولياتكم أمام أمتكم ووطنكم.. وعلى ذلك لا أطن أن القصد الذي أشرت إليه في أن يكون حوارا دينيا كان مستبطنا في القرار بدليل أن جميع الموضوعات طرحت بعد ذلك على الإطلاق دون استثناء وحتى قضايا السياسة الخارجية، لكن هناك أمر لا بد من إدراكه جيدا وهو أن هذه البلاد تنطلق في جميع قضاياها المجتمعية والحضارية والثقافية والسياسية من منطلقات إسلامية وبالتالي لا بد أن يكون الإطار الإسلامي والشعار الإسلامي والمرجعية الإسلامية لا بد أن تكون حاضرة في الحوار بدليل أنك إذا نظرت إلى من يسمونهم بالليبراليين عندنا أو العلمانيين وقارنتهم بالمماثلين لهم في بلدان أخرى تجد أن العلمانيين في بلادنا لا يتجاوزن في منطلقاتهم دين الإسلام بل هم يحاولون خلال الانطلاق من المرجعية الإسلامية أن يوجدوا لأفكارهم توطينا في البلاد.. وبالتالي هذا أمر طبيعي جدا وقد يفهمه البعض أنه قضية دينية لكن نحن نؤكد بأنه ليس هناك حدود لدينا بين الديني والدنيوي فهما يشكلان شيئا واحدا وينطلقان من مرجعية واحدة ويهدفان إلى نتائج واحدة.

لكن هناك ملاحظة رئيسية تتعلق بالكيفية التي ينظر إلينا بها الآخرون، فكثير من الدراسات الغربية بل وحتى العربية عندما يتحدثون عنا فإن ذلك يتم بناء على خارطة ذهنية لدى المتحدث تكونت من واقع غير واقعنا تماما، وعلى سبيل المثال فإنه على الرغم من كون تخصصي العلمي في الشريعة لكني منذ عشرين عاما وأنا أخوض غمار السياسة والإصلاح والقضايا الفكرية والثقافية ولي عدة مؤلفات وإصدارات في قضايا الحداثة والأدب.. نحن هنا في السعودية لنا خصوصية تختلف عن الآخرين والذين يتحدثون عنا في الغرب لا يدركون هذه الحقيقة ويظنون أن التدين هو التطرف والغلو مع أن هذا ليس صحيحا على الإطلاق فالتدين عندنا هو الحياة لا ينفصل أحدهما عن الآخر.

ملاحظات حول الحوار

·        أرجو أن نناقش بعض الملاحظات التي استمعت إليها عن جلسة الحوار الأولى، فمثلا يقال أنه تم تغييب مشاركة المرأة عمدا عن دائرة الحوار، ربما احتراما لعادات وتقاليد ترفض الاعتراف بمكانتها في المجتمع والدور الذي يمكن أن تلعبه؟

-إذا كان المراد بتغييبها وجودها المادي فهي بالفعل كانت غائبة، أما إذا كان المراد تغييب قضاياها ومشكلاتها واحتياجاتها ورؤها فهذه لم تغب أبدا بل طرحت طرحا مستفيضا وإحدى الجلسات كانت كاملة لقضية المرأة وفي التوصيات تحدثنا عنها حديثا رائعا وأكدنا على أنه يجب أن تخلص المرأة من العادات والتقاليد البالية التي يرفضها ديننا وترفضها قيمنا الحقيقية وأنه يجب أن يكون للمرأة دور في المجتمع والتنمية والإصلاح.

 وبالطبع لا يعني هذا أننا مثل كثير من الطروحات التي تستورد النموذج الغربي والذي نرى أنه حق للبشرية جميعا في جانبه المادي التقني حيث أخذه الغربيون من حضارات أخرى وبنوا عليه، لكن في الجانب الإنساني الجانب القيمي المنبثق من عقيدة وقيم ورؤية للحياة والإنسان والكون وعلاقتها بالغيب وعالم الشهادة فنحن نرفض ما يأتي به الغرب،  وبالتالي فالمرأة لدينا لها خصوصيتها وظني أن الإسلام أعطى المرأة بعض الحقوق التي لم تحصل على بعضها حتى الآن في بعض دول أوروبا وأخرى لم تحصل عليها إلا من قبل ثلاثين أو أربعين سنة، وما زالت المرأة حتى اليوم تسلب من نسبها وتضاف إلى زوجها. نحن لا ننكر أن لدينا بعض التقاليد التي لا صلة لها بالإسلام وطالبنا بتغييرها ورفع الظلم عن المرأة،  لكننا أيضا ضد إفساد المرأة وضد تغريبها وتفجير المجتمع من داخله بحجه الحفاظ على حقوقها ونرفض أن تصبح المرأة سلعة تروج بها الأفكار وتسوق بها السلع والبضائع والمنتجات الاقتصادية.  

·        أيضا أسمح لي، هل هذا الحوار والتلاقي تحت سقف واحد يعني فيما يعنيه الاعتراف بالآخر المختلف عقائديا وفكريا؟

-لقد اتفقنا في الحوار على الحقائق التالية:

ü     أن تجاهل كل طرف للآخر لا يلغيه، بل يوجد قطيعة ويبني أسوارا ويعزز مشكلة في المجتمع.

ü     واتفقنا على أن الذي يشكل هوية الوطن ويعبر عنه هم أكثرية أبنائه.

ü     أن الأقلية لا يجوز بأي حال أن تغلب ولا أن تسلب حقوقها، ونحن في ديننا حتى لغير المسلمين إذا كانوا في دولة إسلامية فإنه يجب أن تحفظ حقوقهم ولهم ما لنا وعليهم ما علينا.

ü     اتفقنا أيضا على أن المرجعية لجميع أبناء الوطن، باعتبارهم جميعا من المسلمين، على الكتاب والسنة نحتكم إليها ونرجع إليها.

ü     اتفقنا أيضا على أن قضايا الأمة الكبرى لا تكون محل خلاف أو تنازع ولا مساومات.

الاعتراف بالآخر

·        عفوا، ذكرت اتفاقكم على عدم تجاهل كل طرف للآخر، فهل هذا يعني الاعتراف به وطروحاته المختلفة؟

-الاعتراف بوجود الآخر واقع لا يمكن إنكاره، نعم نحن نعترف بوجوده، لكن إن كان المراد بالاعتراف التسليم بما لديه فهذا إلغاء لحقي أنا يا أخي الكريم، إذ لو كنت أسلم بما لديه جملة وتفصيلا ما كنت اختلفت معه.. لكن الشيء المهم أننا أثناء الحوار اكتشفنا وسوف نكتشف أن كثيرا من الخلاف متوهم وليس حقيقي، وبالتالي إذا حصرنا الخلاف فيما هو مختلف فيه ستبقى مساحته ضيقة جدا ولدينا في تراثنا الديني والحضاري في فقه الاختلاف ما يجعلنا بردا وسلاما على مجتمعنا وأمتنا بإذن الله.

·        هل الحوار الذي تديرونه حاليا هو الهدف أم مجرد وسيلة لهدف آخر؟

-الحوار وسيلة، ولكن بلا شك عندما أكون في مجتمع منغلق كل على نفسه فكخطوة أولى الحوار يكون مقصدا في حد ذاته، لكن بعد أن نصل إلى الحوار وقد تحقق بالفعل ينبغي بعدها أن يكون وسيلة وليس هدف وإلا نصبح في ترف فكري وسفسطة تسر أفكارنا على المقاعد والطاولات دون أن يكون لذلك آثار عملية في حياتنا.

·        إذن ما هو الهدف المبتغى! وهل هناك توابع أخرى قريبة؟

-الهدف هو مواجهة التحديات التي تعترض الأمة والوطن وأن يكون ذلك من جميع القوى الفاعلة في الوطن.. أما بالنسبة للتوابع فهناك مركز للحوار الوطني وسنواصل حلقات الحوار ولقاءاته وسيتم تشكيل لجان على مستوى البلد لمتابعة التوصيات التي صدرت عن الاجتماع الأول في الرياض فهذا ما وعدنا به الأمير عبد الله الذي كان متحمسا حماسا غير عاديا والذي كان أكثر تقدمية من المتحاورين في تبنيه وطرحه لدرجة أننا كنا نذكر توصيات فيقول اعتبروها قرارات وليست توصيات.

·        هل لديك ملاحظات بشأن الحوار الذي تم، ثم تلك الطروحات التي تناولتها بعد ذلك وسائل الإعلام المختلفة؟

-أما الحوار فأمر طبيعي كتجربة أولى أن تكون هناك اشكالات وأن يحصل ضيق صدر من البعض تجاه البعض الآخر، لكننا تجاوزنا هذا والحمد لله.. وأيضا البعض كان ينظر نظرة فئوية وآخرين كانوا ينظرون نظرة مناطقية، فمثلا أحدهم أدعى أن كتبهم ممنوعة ولا يسمح لها بالتداول وكنا نتحاور في مكتبة الملك عبد العزيز فالتفت فإذا بي أرى أكبر عدد من كتب هذه الطائفة أمامي فقلت لهم كيف تدعون منع كتبكم وهذه هي بكميات كبيرة أمامنا الآن ومتاحة للناس جميعا، وطالبناهم بعدم تحميل الأمور أكثر مما تحتمل.. وأمر طبيعي أن تحصل مثل هذه الاشكالات خصوصا وأن بعض الأخوة جاءوا حاملي التوجس والريبة والخوف من التحدث في العديد من الأمور، وكان هذا عين الخطأ، فالحاكم قد دعاهم وقال لهم إننا نمر بتحديات لم نمر بها من قبل ونريد المصارحة والصدق ومع ذلك فما زال هؤلاء يعيشون بعقلية الماضي!

أما حقيقة ما يحدث في المجتمع فإن من أشد ما آلمني ذلك الذي نشر في الصحف والإنترنت من الامتعاض للنجاحات التي حققها اللقاء والحوار لا لشيء سوى أنها لم تتحقق على يد فئة معينة، وربما كان هذا الطرح بارزا بشكل أكبر فيما يقدمه إخواننا الليبراليين العلمانيين وأنا متأكد أنه إذا كان ما تحقق تم على أيديهم لسجلوا صفحات شتى في مدحه خاصة وأنهم خبراء في النواحي الإعلامية.. لكن الذي حصل أنهم شككوا كثيرا وغمزوا ولمزوا، وهذا جانب من ملاحظاتي على ما يحدث في المجتمع السعودي.

الجانب الثاني أن بعض الإسلاميين الذين تحدثوا عن طريق الإنترنت أو كتبوا للصحف كانوا ينالون من بعض المتحاورين ويلبسون البعض الآخر بطولات،  ولكن بالقطع لم تحدث هذه ولا تلك.. وأنا ممن نسبوا لي بطولات مجردة ما حصلت مني على الإطلاق، ونالوا من قامات أخرى مثل الشيخ سلمان العودة وبصورة غير صحيحة، وكنت أتذكر وأنا أقرأ هذه المقالات قول الحق سبحانه وتعالى "فلا تقصوا ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل ذلك كان عنه مسئولا".