الخميس، 3 يونيو 2010

أنا بكره إسرائيل


عنوان ليس بجديد، لكنه في حاجة إلى تأكيد وتكرار، غناها شعبان عبد الرحيم منذ سنوات.. كان صادقا فيما يقول ولذلك نجحت أغنيته وسجلت أرقاما قياسية في التوزيع رغم تردي مفرداتها الفنية.. اليوم أجدني وآخرين نصرخ بأعلى صوتنا منددين بما فعلته إسرائيل بمواطنين عُزل لم يخرجوا من بيوتهم إلا ابتغاء مساعدة المحتاجين، وهل يوجد أشد عوزا من سكان محاصرين منذ ثلاث سنوات ونيف وكأنهم سجناء بقعة أرض لا يستطيعون عنها حراكا.
ما فعلته إسرائيل بقافلة الحرية الإنسانية جعلني أشد كراهية لإسرائيل حكومة وشعبا، وجعلني أكره العالم الظالم معهم، لم نسمع بعد المجزرة إلا كلمات إدانة، قالوها على استحياء وربما خوفا من أحفاد القردة والخنازير؛ كما وصفهم ربي الكريم؛ قالوها ولم يزيدوا مع أن المفروض أن نخرج لسحل هؤلاء دون وجل أو استحياء، ما فعله هتلر فيهم قليل وليته لم يبق أحدا منهم، لكنه أبقى ليعذبنا بهم ولنعرف كم كان محقا حين أحرقهم.
لقد أرادت إسرائيل عبر الهجوم الذي نفذته قوات الكوماندوز التابعة للجيش على أسطول الحرية صباح يوم الاثنين 31/5/2010، وفي عرض المياه الدولية، توجيه رسالة إلى العالم كله بأنها مستعدة للذهاب بعيدا جدا لمنع كسر حصار غزة، وأنها تتمسك بهذا الحصار باعتباره مكسبا وحقا تتيحه لها القوانين والقرارات الدولية، وبالتالي ليس من حق أحد أن يقرر عنها في هذا المجال، كما أنها ليست مستعدة للمجاملة في شأن "سيادي" ويخص أمنها بالدرجة الأولى، حتى لو كان نتيجة ذلك تعريض علاقات إسرائيل مع أكثر من أربعين دولة (التي يشارك رعاياها في أسطول الحرية) لخطر القطيعة.
أرادت إسرائيل أيضا أن توجه رسالة واضحة للأميركيين، وللرئيس أوباما نفسه، بأن الأمن الإسرائيلي خط أحمر لا يمكن بأي حال من الأحوال مناقشته والمناورة بشأنه، كما أن إسرائيل تعرف أكثر من غيرها ما يهدد أمنها وتعرف صياغة المعالجات المناسبة لمثل هذه الحالات.
كذلك تدرك إسرائيل أن فك الحصار، وبهذه الطريقة، يشكل انتصارا لقوى التحرر، الأمر الذي يمكن أن يتحول مع الزمن إلى نموذج يمكن تطبيقه على مختلف عناصر القضية الفلسطينية ولذلك فهي لن تسمح بنجاحه مهما كلفها ذلك.
وأسطول الحرية؛ الذي كان متوجها إلى غزة لمناصرة أهلها المحاصرين؛ هو مجموعة من ست سفن، تضم ثلاث سفن تركية، وسفينتين من بريطانيا، بالإضافة إلى سفينة مشتركة بين كل من اليونان وأيرلندا والجزائر والكويت،وقد جهزت القافلة وتم تسييرها من قبل جمعيات وأشخاص معارضين للحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ العام 2007، ومتعاطفين مع الغزاويين.
انطلق أسطول السفن من موانئ لدول مختلفة في جنوب أوروبا وتركيا، وكانت نقطة التقاءها قبالة مدينة ليماسول في جنوب قبرص، قبل أن تتوجه إلى القطاع مباشرة، انطلق الأسطول باتجاه قطاع غزة في 29 مايو 2010، محملا بعشرة آلاف طن من التجهيزات والمساعدات، والمئات من الناشطين الساعين لكسر الحصار، الذي قد بلغ عامه الثالث على التوالي
شاركت شخصيات كثيرة في قافلة كسر الحصار من 44 دولة مختلفة، وكان من أبرز المشاركين فيها أعضاء من البرلمان الأوروبي والألماني والإيطالي والأيرلندي، وأعضاء آخرين من البرلمان التركي والجزائري والكويتي والمصري والأردني، وكذلك أعضاء عرب من الكنيست الإسرائيلي، بالإضافة إلى أكثر من 750 شخصية ناشطة في المجال الحقوقي تضم عددا من الإعلاميين، وهذا يعتبر أكبر تحالف دولي يتشكل ضد الحصار المفروض على غزة.
ولكن في فجر يوم 31 مايو، 2010 بعد الساعة الرابعة فجرًا، تم الهجوم على سفن أسطول الحرية في المياه الدولية من قبل القوات الإسرائيلية ، في أحداث وصفتها مصادر عديدة "بالـمجزرة" و "الجريمة" و"إرهاب الدولة".وقد نفذت عملية الهجوم على الأسطول قوات إسرائيلية خاصة، حيث استخدمت هذه القوات الرصاص الحي والغاز.
لقد تكشفت صورة إسرائيل العنصرية بشكل جلي في هذا اليوم حيث حاول حكام إسرائيل قلب الصورة لمصلحة كيانهم الغاصب، وذلك من خلال محاولة اغتيال الحقيقة حين أدعت أن من على متن سفينة الحرية هم الذي بدءوهم الهجوم بالعصي والسكاكين (البلاستيك)!!!.
واللافت أن وتيرة التهديدات الإسرائيلية تصاعدت قبل أيام من خلال التلويح باعتراض سفن أسطول الحرية الإنساني والاستيلاء عليها، وهي سفن كانت محمّلة بأكثر من عشرة آلاف طن من المساعدات الإنسانية.
كان من شأن المساعدات الدولية لو وصلت إلى غزة أن تحد من معاناة أهالي قطاع غزة، حيث وصلت معدلات البطالة إلى أكثر من 60% من قوة العمل هناك، ناهيك عن انتشار الفقر المدقع بين ثلثي المجتمع في القطاع بسبب الحصار الاقتصادي الجائر، مما جعل الخيارات صعبة سواء لدى الأسرة في القطاع أو لدى العامل الفلسطيني الذي يتحمل عبء إعالة أكثر من خمسة أشخاص بسبب اتساع قاعدة الهرم لسكان القطاع، ونقصد الأطفال الذين يشكلون أكثر من 50% من سكان القطاع.

الأحد، 25 أبريل 2010

حكام فاسدون.. وشعوب فاسدة!


لماذا شعوب الدول العربية؛ سكان العالم (النائم)؛ يصفون دائما حكامهم بالفاسدين والديكتاتوريين والسارقين مع إنه لو أن مواطنا آخر من مواطني هذه الدول سنحت له الفرصة وقفز على مقاعد السلطة لفعل فعلتهم وسرق مثلهم وربما كان أكثر فسادا وأشد بطشا.. إن هؤلاء الحكام هم نتاج طبيعي للبيئة التي خرجوا منها وثمرة من ثمار البذور الفاسدة التي نمت في ذات التربة الفاسدة!.

"من أعمالكم سُلط عليكم"، مقوله نرددها كثيرا؛ كنت اعتقد أنها من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم حتى بحثت عنه ولما تبين لي أن لا أصل له في كتب الأحاديث عُدت فتناولته على أن كلام مرسل من الأقوال الشهيرة؛ والعبارة تشرح نفسها فلو كنا صالحون لجاءنا حكام صالحون، أما كوننا من شرذمة الفاسدين فمن أين يأتينا رجل صالح ليتولى أمرنا ويحكم فيما بيننا، لو حدثت المعجزة ووجدنا هذا الرجل الصالح وحكَم فينا شرع الله لما صرنا فاسدين ولصلُح حالنا جميعا.

والقرآن؛كتاب الله وأحكامه؛ يؤكد ذلك، ففي سورة الأنعام- آية 129- يقول الله تعالى "وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا" وعند تفسير هذه الآية يقول السعدي في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ، إن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم،ومنْعهم الحقوق الواجبة، ولَّى عليهم ظلمة، يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون منهم بالظلم والجور أضعاف ما منعوا من حقوق الله، وحقوق عباده، على وجه غير مأجورين فيه ولا محتسبين، كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا، أصلح الله رعاتهم، وجعلهم أئمة عدل وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف .

وفي تفسيره لذات الآية "وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا"، قال سعيد عن قتادة: وإنما يولي الله الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي .

وقال مالك بن دينار: قرأت في الزبور (إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعا، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم إن المقصود بالآية ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين" ،الزخرف-36، قال: ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس.

ومعنى الآية الكريمة: كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين، نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض، جزاء على ظلمهم وبغيهم .

وفساد الشعوب وجور الحكام تحدث عنه أيضا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "يأتي زمان علي أمتي يحبون خمس وينسون خمس.. يحبون الدنيا وينسون الآخرة يحبون المال وينسون الحساب يحبون المخلوق وينسون الخالق يحبون القصور وينسون القبور يحبون المعصية وينسون التوبة فإن كان الأمر كذلك ابتلاهم الله بالغلاء والوباء والموت الفجأة وجور الحكام".

والآن، تعالوا ننظر ماذا نفعل في حياتنا وهل نحن على طريق الحق سائرون أم جانبنا الصواب وصارت حياتنا معصية كبيرة، تأملوا معي، نحن لا ننظر في أوامر الله ونواهيه، لا نقيس أفعالنا بمقياس الشرع، نصوم ولا يكون لنا من صيامنا إلا الجوع والعطش، نصلي ولا تكون إلا حركات من قيام وقعود دون أن يخشع القلب أو ندرك معنى ما نردده، نأت فرائض الإسلام وأركانه ولكن حياتنا بعيدة تماما عما أديناه من طاعات، كما يقولون (هذه نقره وتلك نقره)!!!.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت يا رسول الله صفهم لنا قال هم قوم من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك قال فالزم جماعة المسلمين وإمامهم فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فاعتزل تلك الفرق كلها ...الخ.

علينا إذن ألا نتهم حكامنا بالفساد، فسادهم ليس إلا جزءا من فساد الشعوب، وكما قال بعض الشعراء
وما من يد إلا يد الله فوقها ولا ظالم إلا سيبلى بظالم

السبت، 17 أبريل 2010

متى يثور المصريون؟


متى تنفعل وتثور؟، نعم أسألك أنت.. ألا تنفعل إذا ما أخطأ في حقك آخر!، ألا تثور إذا ما تعرضت لظلم!، إذا تيقنت أن حقك ضائع!، وأنك محروم من أبسط متاع الدنيا!.. إذن لما لا تثور وأنت تتعرض لكل ذلك الآن.
هناك توافق عام في مصر علي أن هناك تدهوراً في الأداء العام للنظام انعكس في تدني الظروف التي يعيش فيها ٩٠% من المصريين بدءا من الخدمات الأساسية مثل توفير المياه النقية، ورغيف الخبز، والصرف الصحي، والبيئة النظيفة، وحتى التعليم، والرعاية الصحية، والعمل المناسب والسكن الملائم.. وبازدياد هذا التدهور من عام إلى آخر وتنامي الضغوط المادية والمعنوية علي ملايين المصريين، كان من المنطقي أن يأتي سؤال مثل: لماذا لا نثور نحن المصريين، ولا نتحرك احتجاجاً علي تلك الأوضاع الظالمة؟
قد ينظر البعض إلى حجم المعاناة التي تعيشها الأغلبية الساحقة من المصريين وإلى مدى تدهور الحالة الثقافية والاجتماعية والتعليمية والصحية وإلى مدى اتساع وشيوع الفكر الخرافي والشعوذة والبلطجة والعشوائية، وتغلغل الفساد والتسيب واللا مسئولية والعبثية، ينظر إلى كل هذا ويسأل هل ماتت الروح المصرية؟، هل فقدنا الإحساس بالحياة ولا أقول الاستمتاع بها؟
حقاً في السنوات الخمس الأخيرة تقريباً، تحركات واحتجاجات سواء تحركات مهنية ومطالب فئوية أو تحركات ساعية إلي «التغيير»، غير أن هذا كله لم يترجم أبداً في حركة احتجاجية عامة، في شكل هبّة جماهيرية شاملة مثلما حدث مثلاً في ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧ أو في شكل مظاهرات حاشدة «مثل مظاهرات فبراير ١٩٦٨».. أو في شكل عصيان مدني شامل.
ولا توجد إجابة واحدة تحدد بوضوح سبب عدم ثورة المصريون أو انعدام رد فعلهم الغاضب تجاه تلك الأوضاع المزرية، ولكن هناك من يري أن المصريين شعب مسالم، قلما يثور، وصبره علي الظلم والقهر هو بلا حدود!.
وهناك من يعتقد أن المصريين لا يثورون لأن أوضاعهم الاجتماعية -والاقتصادية، ومشكلات حياتهم اليومية تشغلهم، وتستنفد طاقاتهم إلي أقصي حد، بحيث لا تتبقي لديهم طاقة للتحرك والثورة!.
والتفسير الثالث يرى أن عزوف المصريين عن الاحتجاج والثورة راجع لما يتعرضون له من بطش السلطة وإرهابها، إلي حد يجعل أغلبهم يفكر ألف مرة قبل أن يتحرك ويثور.
تحدث أعلام ومفكرون وشعراء عن مصر، وعن شعب مصر بصفات عديدة لا شك أن أكثرها سلبية هي ما يتعلق بموقف المصريين من الحاكم أو السلطة السياسية، مثلا كتاب "لماذا لا يثور المصريون؟" من تأليف علاء الأسواني يتناول فيه الحياة السياسية والاجتماعية المصرية.والكتاب مجموعة من المقالات الصحفية الجريئة التي نشرها الكاتب حتى عام 2008 وفيها يتناول همومًا مصرية شغلتنا جميعًا في تلك الفترة الحرجة من تاريخ مصر.
يناقش الأسواني ويحلل أوضاع المصريين أمام حكّامهم، والزمن الصعب الذي يعيشونه ويستعرض أبرز الأفكار السياسية والأزمات الديمقراطية التي تهم كل من يفكر في مستقبل مصر.
وتحت عنوان " ديمقراطية أبو طربوش " يرى الأسواني أن العبقرية المصرية ربما تتلخص في كلمة واحدة: التأقلم .. إن قدرة المصري اللانهائية على التكيف مع أصعب الظروف والاستمرار في الحياة، هذه القدرة صفة حضارية رائعة يتميز بها شعبنا بجدارة.. فربما لا نكون أشجع الشعوب ولا أمهرها لكننا بالتأكيد أساتذة كبار في الدفاع الحياة ضد كل ما يهددها، فنحن نعرف تماما كيف ننتزع من الطغاة مساحة ما ولو صغيرة لنعيش ونستمتع ونبدع.
وعندما يجلس المصري آخر النهار وسط أولاده فإنه يعرف كيف يسخر من ظالميه ويكون مجرد استمراره في الحياة بمثابة هزيمة للذين قمعوه.. ولم يكن المصري ليستمر عبر آلاف السنين من الظلم لو لم يكن حكيما وصبورا وقد تعلم من تجربته الطويلة كيف يتعايش مع الطغيان بحيث لا يصيبه إلا أقل الضرر، إنه لا يتمرد على الطاغية ولا ينسحق أمامه بل هو يبحث دائما عن حل وسط يقيه الشرور ويمكنه من الاستمرار.
وقد يرى البعض أن المصريين شعب مذعن وخاضع وبالتالي غير ثوري.. ولكن ثورات المصريين على مر العصور تكذب هذا الزعم، فالمصريون يثورون في النهاية ولكن متى؟!.. عندما تتدهور أحوالهم إلى درجة لا رجاء منها وبعد أن تنفد كل محاولات التأقلم والتعايش مع الظلم والفقر، عندئذ ينتفض المصريون وتكون ثورتهم هنا إلى غضب الحليم الذي قد يتأخر لكنه عندما يندلع يكتسح كل شيء، والمدهش أن كل الثورات المصرية (على الأقل في العصر الحديث) قد اندلعت فجأة بعد فترات من السكون الظاهري التي قد يظن معها أن مقاومة الناس قد ماتت.
وقديما تحدث ابن خلدون عن الطاعة التي لا تدعو إلي التمرد أو الثورة، والدعة والصبر، والسلبية الشديدة، والخضوع والشعور بالتبعية والقهر والمحسوبية والنفاق، كما أشار حمدان أيضاً إلي ما ذكره المقريزي عن الدعة والجبن وسرعة الخوف والنميمة، والسعي لدي السلطان.
وذكر «أرنولد توينبي» في كتابه الشهير «دراسة للتاريخ» أن الفلاح المصري، علي مر التاريخ، كان ينظر إلي ممثلي السلطة وعلي رأسهم حاكم الدولة - نظرة إجلال بلغت في معظم الأحيان حد التأليه والتقديس ولذلك كان يذعن لأوامرهم بصورة شبه مطلقة، وأصبحت طاعة الحاكم وكل من يمثله واحدة من أبرز الصفات السلوكية للفلاح المصري.
أما جمال حمدان فقد حدد في كتابه الأشهر «شخصية مصر»، خمسة أركان للشخصية المصرية، وهي «التدين والمحافظة والاعتدال والواقعية والسلبية». ومع أن حمدان ـ مدفوعا بشعوره الوطني الجارف ـ مال إلي تقدير أن «الاعتدال» هو الخاصية المركزية بين تلك الخصائص، إلا أنه لم ينكر ما تنطوي عليه خصائص: «المحافظة، والواقعية، والسلبية» من آثار ونتائج سيئة علي علاقة المصريين بالسلطة السياسية، فالمحافظة تعني أن المصري تقليدي ومقلد، وغير ثوري وغير مجدد.
والواقعية تعني أن المصري مطيع بالضرورة أكثر مما هو متمرد بالطبع، وإذا ما عجز عن تغيير الواقع فإنه يخضع له، ويرضخ للأمر الواقع، إلا أنه حينئذ قد يسخر منه للتعويض أو التنفيس، وهنا يستشهد حمدان بقول الجبرتي: «والمصري يكره الحكام في كل صورة حتي أدناها»، وبإشارة العقاد إلي أن علاقة المصري بالحكومة علاقة «عداوة مريبة»، لكنه مع ذلك يقبل بها بل قد يتملقها، إلا أنه حتما يسخر منها، ويتندر بها سرا أو علنا، ويستنتج حمدان أن المصري العادي أو المتوسط يتجنب الصدام ويتحاشاه، لاسيما في المواقف العدائية، وبالتالي يؤثر السلامة عن المواجهة، والسلام عن الصراع
ويخلص حمدان ـ علي مضض ـ إلي أن سمة الاعتدال تجعل الشعب المصري تلقائيا شعبا غير ثوري بالطبع، ويري أن «تلك بالدقة هي نقطة الضعف الكبرى في كل كيان مصر، والنقطة السوداء للأسف في كل تاريخها، ومصدر الخطر علي مستقبلها
ثم يلفت النظر ـ بعد ذلك كله ـ ما يقوله جمال حمدان بالنص: «إن ما تحتاجه مصر أساسا إنما هو ثورة نفسية، بمعني ثورة علي نفسها أولا، وعلي نفسيتها ثانيا، أي تغيير جذري في العقلية والمثل وأيديولوجية الحياة قبل أي تغيير حقيقي في حياتها وكيانها ومصيرها.. ثورة في الشخصية المصرية، وعلي الشخصية المصرية.. ذلك هو الشرط المسبق لتغيير شخصية مصر، وكيان مصر، ومستقبل مصر.

وفي اعتقادي أن الشخصية المصرية لن تتغير، مصر بلد قديم، بالغ القدم، يمتد تاريخه إلى سبعة آلاف سنة، واللحظة الراهنة ما هي سوى قطرة في محيط الوجود المصري الشاسع الضارب في الزمن، وطبيعة المسار التاريخي هي الصعود والهبوط، الرقاد والقيام، الغيبوبة والبعث، الركود والتجدد، هكذا كان تاريخ مصر، وهكذا سيظل فالحضارة المصرية القديمة تظل روحها حاضرة في شخصية كل مصري اليوم.
الحضارة المصرية فريدة بين حضارات العالم، فهي حضارة مزجت الشيء ونقيضه.. مزجت العلم بالسحر، والفن بالحياة، والرقص بالتعبد، والموسيقى بالترتيل في الفرح والحزن، في الميلاد والزفاف والموت وهي الحضارة الباهرة التي لفرط حبها وتعلقها بالحياة ابتكرت الأبدية والخلود بلا سابق إنذار أو دعوة أو رسول! فيالها من عبقرية مصرية متفردة. والمصري إلى اليوم لا شبيه له في مدى عشقه للحياة وللفرح وللضحك.
هذه الحضارة الاحتوائية - التي تحتوي كل شيء بما فيها المتناقضات، تواءم بينها في النهاية في أسلوب حياة - ولا أقول "نظام" حياة لأن الشخصية المصرية تنفر من النظام ولا تحبه ولا تزدهر إلا في غيابه - فإذا بالمحصلة هي حياة مصرية مليئة بصخب الوجود ودبيب العيش وجلجلة الكنائس وآذان المساجد وأغنيات المذياع في المقاهي وضجيج الحياة اليومية وصياح البشر وزغاريد الأفراح وولولات المآتم تتصاعد كلها في الشارع والوجدان المصري - يتحامل بعضها على بعض ويكمل بعضها بعضا لتقدم لنا في النهاية أسلوب حياة فريدا في شغفه بالعيش حتى الثمالة ومنتشيا بالتلاحم الإنساني الحميم نشوة لا مثيل لها بين بشر البلدان الأخرى.
ومثل هذه السمات الشخصية تجعلنا نؤكد أنه نادرا ما يثور المصري على أوضاعه الصعبة إلا حينما يتفاقم الوضع وتصبح الثورة هي ملاذه الأخير.. فتحت غطاء الضعف والتعب والاهتراء الخارجي تكمن قوة تاريخية هائلة يستنفرها المصري في الوقت المناسب لينتفض بها في الوقت المناسب.
ولو توقف الناظر إلى حال مصر قبل أكتوبر 1973 لما أستطاع أن يتخيل أن ذلك البلد الجريح المهزوم وذلك الجيش المرهق الذي هرب في الصحراء وهزم في ستة أيام منذ ست سنوات فقط يمكن أن ينتفض تلك الانتفاضة المذهلة في السادس من أكتوبر ليحقق إنجاز العبور العظيم.
الشعب المصري سوف يثور، ولن تنفع سياسة المهدئات الاستخبارية التي ينتهجها النظام معه، فمنذ الثمانينات لجأ نظام الحكم إلى حيلة بارعة تسمح للمصري أن يقلل من غضبه، وتعتمد هذه الحيلة على عنصرين رئيسيين، الأول مساحة من حرية الصراخ تسمح لكل مصري أن ينفث عن نفسه؛ حتى لا ينفجر؛ دون أن يمارس حق حرية التنفيذ أو التغيير. والعنصر الثاني من حيل النظام يطلق عليه سياسة "غض الطرف" فالحكومة سمحت بالرشاوى والعمولات وكافة أنواع الفساد، غضت الطرف عن كل ذلك الفساد حتى تترك لكل مواطن حرية حل مشاكله المادية بنفسه ولو عن طريق غير مشروع.
ولكن؛ رغم عبقرية النظام الحالي، فلا يجب أن ينخدع بصبر المصريين ، فتحت حطب الصبر والاحتمال والمسالمة يتوهج دائما جمر متقد لا يخمد هو جمر الروح المصرية التي لا تموت، أحذروا غضب المصريين فإنه آت لا ريب.

السبت، 10 أبريل 2010

قيرغيزستان وثورة 1919.. مخاوف من الاستنساخ في مصر


يخطئ من يظن أن الأحداث التي وقعت في قيرغيزيا لم تؤثر على أنظمة الحكم في العالم الثالث وخصوصا العربي منه الذي تطمح جُل شعوبه إلى استنساخ الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام حكم فاسد في قيرغيزسان.
والثورة كمصطلح سياسي هي الخروج عن الوضع الراهن سواء إلى وضع أفضل أو أسوأ من الوضع القائم وللثورة تعريفات معجمية تتلخص بتعريفين ومفهومين ،التعريف التقليدي القديم الذي وضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية وهو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة.
وقد طور الماركسيون هذا المفهوم بتعريفهم للنخب والطلائع المثقفة بطبقة قيادات العمال التي اسماهم البروليتاريا، أما التعريف أو الفهم المعاصر والأكثر حداثةً هو التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته "كالقوات المسلحة" أو من خلال شخصيات تاريخية لتحقيق طموحاته لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية.
والمفهوم الدارج أو الشعبي للثورة فهو الانتفاض ضد الحكم الظالم، وقد تكون الثورة شعبية مثل الثورة الفرنسية عام 1789 وثورات أوروبا الشرقية عام 1989 وثورة أوكرانيا المعروفة بالثورة البرتقالية في نوفمبر 2004 أو عسكرية وهي التي تسمى انقلابا مثل الانقلابات التي سادت أمريكا اللاتينية في حقبتي الخمسينيات الستينات من القرن العشرين، أو حركة مقاومة ضد مستعمر مثل الثورة الجزائرية { 1954-1962}.
وما حدث في قيرغيزيا ثورة شعبية مثل الثورة الفرنسية وثورات أوروبا الشرقية وأخيرا الثورة البرتقالية، وكان ما بين 3 إلى 5 آلاف متظاهر توجهوا إلى مقر الرئاسة فأطلقت شرطة مكافحة الشغب قنابل صوتية وغازات مسيلة للدموع على المتظاهرين الذين رشقوا الشرطة بالحجارة وهاجموا أفراد وسيارات قوات الأمن بالعصي.
وحاولت الشرطة من دون جدوى تفريق المتظاهرين الذين تجمعوا احتجاجا على الفساد وارتفاع الأسعار واعتقال قادة المعارض، وطارد رجال الشرطة المحتجين ورشقوهم بالحجارة ولكنهم فشلوا في تفريق المظاهرين المعارضين الذين كانوا يلوحون بأعلام قرغيزيا ذات اللونين الأحمر والأصفر.
وبعد ذلك أعلنت المعارضة القيرغيزية استيلاءها بالكامل على السلطة، وقالت روزا أوتونبايفا التي تولت رئاسة ما يسمى بحكومة الثقة الشعبية إن الحكومة السابقة قدمت استقالتها، وإن الرئيس كرمان بك باكييف هرب إلى جنوب البلاد.
والسيدة أوتونبايفا التي قادت هذه الثورة الشعبية يصفها محللون بكونها امرأة قاسية ولكنها ناعمة الكلام، وأنها معتدلة في وجهات نظرها السياسية.
وكانت أوتونباييفا ولدت في مدينة أوش جنوبي قرغيزستان عام 1950 ودرست الفلسفة وتخرجت في جامعة موسكو الحكومية عام 1972 قبل أن تلتحق للعمل في الحزب الشيوعي وتخدم سفيرة للاتحاد السوفياتي السابق لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) ثم سفيرة للاتحاد في ماليزيا في ثمانينات القرن الماضي.
كما تقلدت منصب وزيرة خارجية قرغيزستان مرتين في عهد الرئيس السابق عسكر أكاييف، ولكنها اختلفت مع أكاييف عام 2004 متهمة إياه بالفساد ومحاباة الأقارب وإضعاف الديمقراطية في البلاد التي سبق لمراقبين غربيين وصفها بكونها "سويسرا آسيا الوسطى".
وأسست أوتونباييفا حزبها السياسي الخاص المسمى "أتا دزيبت" أو "فاذرلاند" أو "أرض الأب" وحاولت الترشح للانتخابات البرلمانية عام 2005، لكن المسئولين التابعين لأكاييف أعاقوا ترشيحها.
الثورة في قيرغيزيا أعادت إلى الأذهان مرة أخرى إمكانية تغيير الأنظمة الفاسدة والدكتاتورية بدون انقلابات عسكرية، وهي بذلك تؤكد مجددا أهمية الثورات في التاريخ السياسي للمجتمعات العصرية وذلك في ظل النتائج المترتبة عليها من تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية تؤدي إلى تغيير جذري شامل في المجتمع.
والمثير بالنسبة للثورة الشعبية في قيرغيزستان أن البعض في مصر شبهها بثورة 1919 بقيادة سعد زغلول زعيم الحركة الوطنية المصرية، فالثورتان كان الشعب هم وقودها وكانتا ضد الفساد وظلم الحكام، فثورة 1919 جاءت في ظل المعاملة القاسية التي كانت بحق المصريين من قبل البريطانيين، والأحكام العرفية التي أصدرت بحقهم بالإضافة إلى رغبة المصرين بالحصول على الاستقلال، كما اندلعت أيضا في ظل المعاملة القاسية التي عاناها المصريون من قبل البريطانيين والأحكام العرفية التي أصدرت بحق المصريين، ورغبة المصريين بالحصول على الاستقلال، وثورة 1919 تعتبر أول ثورة شعبية في أفريقيا وفي الشرق الأوسط، تبعتها الهند وثورة العراق والمغرب وليبيا.
وتندلع الثورات عموما حين تلاقي الجماهير الفقيرة الظلم والاستغلال من الفئة الحاكمة وينتشر الفساد، وهذا بالضبط ما حدث للمصرين قبل ثورة 1919، ففي الريف كانت تصادَر ممتلكات الفلاحين من ماشية ومحصول لأجل المساهمة في تكاليف الحرب العالمية الأولى ، كما حرصت السلطات العسكرية على إجبار الفلاحين على زراعة المحاصيل التي تتناسب مع متطلبات الحرب، وبيعها بأسعار قليلة، وتم تجنيد مئات الآلاف من الفلاحين بشكل قسري للمشاركة في الحرب فيما سمي بـ "فرقة العمل المصرية" التي استخدمت في الأعمال المعاونة وراء خطوط القتال في سيناء وفلسطين والعراق وفرنسا وبلجيكا وغيرها.
أيضا، نقصت السلع الأساسية بشكل حاد، وتدهورت الأوضاع المعيشية لكل من سكان الريف والمدن، وشهدت مدينتي القاهرة والإسكندرية مظاهرات للعاطلين ومواكب للجائعين تطورت أحيانا إلى ممارسات عنيفة تمثلت في النهب والتخريب.
ولم تفلح إجراءات الحكومة لمواجهة الغلاء، مثل توزيع كميات من الخبز على سكان المدن أو محاولة ترحيل العمال العاطلين إلى قراهم، في التخفيف من عنف الأزمة، كذلك تعرض العمال ونقاباتهم لهجوم بسبب إعلان الأحكام العرفية وإصدار القوانين التي تحرم التجمهر والإضراب.
مشاهدات ما قبل ثورة 1919 تتكرر الآن في مصر، اعتصامات.. إضرابات.. ارتفاع أسعار.. فساد أنتشر وتغلغل إلى الجذور، وحكومة عاجزة لا تعرف كيف تواجه ما يحدث.. ومحاولات من معارضين للتحرك وسط هذا الركام، وكل ذلك يقرب إلى الأذهان ما حدث في قيرغيزستان!، فاللهم هون علينا واحفظنا مما هو آت.
فيديو من أحداث قيرغيزستان
http://arabic.euronews.net/2010/04/08/opposition-leader-claims-kyrgyzstan-control
/

الأحد، 4 أبريل 2010

البرادعي وحتمية التغيير في مصر


منذ فترة ليست بقصيرة بدأ اسم محمد البرادعي يتردد بقوة في مصر حينما خرجت أصوات في الإعلام، وبالأخص على صفحات الانترنت، تطرح اسمه بجانب آخرين للمنافسة على مقعد رئاسة الجمهورية على خلفية انتخابات الرئاسة القادمة في 2011.

جاء ذلك مع انتهاء عمل البرادعي كمدير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحينها أعلن بكلمات واضحة عن نيته واستعداده خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، وطالب ببعض الشروط والمحددات والضمانات، التي من أهمها تعديل المادة 76 من الدستور والإشراف القضائي الكامل والرقابة الدولية وإنشاء لجنة مستقلة ومحايدة تشرف على العملية الانتخابية، ومن ثم وضع دستور جديد يكفل الحريات وحقوق الإنسان".

ومنذ ذلك الحين انطلقت دعوات على الانترنت لدعمه في معركة الترشح للرئاسة، وبشكل شديد التعجل سارع نشطاء لإجراء توكيلات له لإنشاء مجلس لصياغة دستور جديد.

ومن فرط حماس البعض لعودة البرادعي شبهها بعودة القائد التاريخي سعد زغلول الذي اجتمعت عليه الأمة المصرية لكي يقودها في مواجهة الاحتلال البريطاني من أجل الحرية والاستقلال في عشرينات القرن الماضي.

وما بين المؤيدين والمعارضين كان هناك فريق من أمثالي زاده صخب الشارع حيرة والتباساً في فهم ما يحدث وفي فهم كيف يمكن أن يصبح البرادعي قائداً لتحول كبير في مصر يهدف إلى الوصول لنظام ديمقراطي يحلم به كل مصري.

ومن خلال متابعتي لتصريحات القائد المنتظر أشعر أن البرادعي نفسه تغشاه هذه الحيرة، ويبدو ذلك واضحا في تصريحاته، على قلتها، منذ استقبله بضع مئات له في المطار عندما عاد في 19 فبراير 2010، كما أنه لا يبدو واضحا ماذا سيفعل البرادعي، هل سيستقر مقامه في مصر حيث ساحة التغيير المنشود، أم سيتولى تحفيز التغيير عن بُعد ويترك المهمة على الأرض لبعض الناشطين الذين تحلقوا حوله بالفعل ويسعون لتوظيف شخصه ومكانته من أجل أفكارهم وتطلعاتهم السياسية التي قد لا تتوافق إجمالاً معه ولكنها تداعيات المرحلة ليظهر بعدها التباين واضحا بين كل هذه الفرق الغير متناغمة؟

وبالإضافة إلى الجولات الميدانية التي بدأها الدكتور البرادعي في الأيام الأخيرة، فإنه يعتمد في الأساس على الترويج الدعائي من خلال الإنترنت، سواء بتجميع مؤيديه في مجموعة باسمه على "Face book" أو بالمدونات التي بدأت في الظهور على عالم الشبكة الافتراضي وبجوارها «تي شيرتات» ويافطات مكتوب عليها «البرادعي رئيساً لمصر».

وفي رأيي أن هذا النوع من التأييد الغالب في عالم افتراضي مثل الإنترنت قد يكون عنصراً مكملاً وليس عنصراً رئيساً في أي تحول حقيقي بالنسبة إلى حركة د.محمد البرادعي المقبلة، وإذا كان مؤيدي البرادعي يعتقدون أنهم يستطيعون في بلد مثل مصر استعارة نموذج معركة الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي استطاع حشد كثير من مؤيديه عن طريق الإنترنت، فإن هذا لا يصلح في بلد مثل مصر، لأن أوباما فرض وجوده السياسي استناداً لآليات بلد ديمقراطي متقدم اقتصادياً وتقنياً، حتى قبل أن يوظف آلية وإمكانات شبكة الإنترنت في جذب تمويل أو أنصار جدد يدعمونه في الوصول إلى سدة الرئاسة في انتخابات مشهود لها بالنزاهة، في حين أن محمد البرادعي لم يفرض وجوده السياسي بعد، ويأخذ عليه معارضوه مآخذ كثيرة أبرزها وجوده خارج البلاد لأكثر من عقدين، ومن ثم عدم إلمامه بتفاصيل الحياة في مصر وتعقيداتها وإشكالاتها، ناهيك عن سطوة الأمية في بلد قوامه 80 مليون نسمة تحجب عنهم تأثيرات العالم الافتراضي، وتضع غالبيتهم أولوية حل المشاكل الاقتصادية والتغلب على مصاعب الحياة اليومية فوق أي أولوية أخرى، وتسودهم أيضا بحسب علماء الاجتماع المصريين مقولة «من نعرفه أفضل ممن لا نعرفه».

عموما، وعلى عكس النغمة السائدة في مصر من أن النظام سيشن حربا ضروس ضد الدكتور البرادعي، توقعت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية استجابة الرئيس حسني مبارك لمطالب المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتعديل الدستور وإجراء إصلاحات سياسية، رغم كشفها عن اعتراضها علي الدور الذي كان يلعبه البرادعي في إدارة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي قالت إنه كان سياسيًا أكثر منه مهنيًا.

وفي هذا الإطار صاغت وزارة الخارجية الأمريكية بشكل حذر بيانًا عن الوضع في مصر قالت فيه إنها "ترغب في رؤية صعود عملية سياسية أكثر شمولاً في مصر، لكن هذه في النهاية قرارات يجب أن تقوم مصر باتخاذها".

هذا ما قاله المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية بى جى كراولى فى تصريحات لوكالة يونايتد برس الأمريكية ردا على الاتهامات التي وجهت لواشنطن بأنها تدعم البرادعي وترغب في إثارة الفوضى وعدم الاستقرار في مصر.

وكانت تقارير صحفية ذكرت في وقت سابق أن فرصة وصول محمد البرادعي إلى كرسي الرئاسة المصرية باتت ضعيفة جدا، وذلك في أعقاب تصريحات للرئيس مبارك ونجله جمال مبارك، أكدا خلالها على عدم وجود أية نية لتعديل الدستور وخاصة المادة 76 المثيرة للجدل والتي تراها المعارضة المصرية عائقا أمام أي مواطن مصري مستقل للترشح في الانتخابات الرئاسية المقررة في 2011.

لقد رهن مبارك ترشيح البرادعي للرئاسة بالتزامه بالدستور، وكذلك اعتبر الأمين العام المساعد أمين السياسات في الحزب الوطني جمال مبارك - الذي يرى معارضون أن هناك مخططاً لتوريثه الحكم - أن المرشح المستقل في انتخابات الرئاسة "يمثل استثناء" في أن القاعدة هي ترشيح ممثلي الأحزاب.

ويشترط الدستور المصري لمن يرغب في الترشح لانتخابات الرئاسة أن يكون عضوا في الهيئة العليا لأحد الأحزاب قبل عام علي الأقل من الانتخابات، علي أن يكون قد مضي علي تأسيس هذا الحزب خمس سنوات.

كما يشترط أن يحصل أي مرشح مستقل للرئاسة على تأييد 250 عضواً منتخباً في مجلسي الشعب والشورى ومجالس المحافظات من بينهم 65 عضواً على الأقل في مجلس الشعب و25 عضواً في مجلس الشورى و10 أعضاء في مجالس المحافظات.

وسواء دخل الدكتور البرادعي في قائمة المرشحين لشغل مقعد الرئاسة في 2011 أم فاز الرئيس الحالي بفترة ولاية أخرى، أو ظهر منافسون آخرون، فإن المصريين يطالبون بإحداث تغيير جذري يشعر به المواطن البسيط، والحقيقة أن هذا مطلب شرعي إذ أنه لا يوجد مجتمع لا يتغير ويبدو المجتمع مستقرا ساكنا سائرا في انجاز وظائفه في هدوء طوال أجيال متعاقبة، ولكنه حين يصل إلى درجة من التجمع الحضاري يبدأ في التغير بسبب وجود قوى تعمل في أعماقه لتجديد الاتساق أو لتأسيس نظم جديدة.

وفي رأيي أن التغير الاجتماعي الذي ننشده يجب أن يتناول كل مقومات الحياة الاجتماعية والنظم والعلاقات الإنسانية، ويجب أن يقوم على فكر واضح وتخطيط دقيق لبناء الدولة العصرية التي تستند إلى العلم والتكنولوجيا وهذا يقتضي المواجهة العلمية المستنيرة لما قد يتمخض عنه التغير الاجتماعي من مشكلات ومتناقضات ومطالب واحتياجات، وبالتالي إتباع الأسلوب العلمي في مسيرة التغير الاجتماعي بحيث يكون تغيرا متوازنا متكاملا يفضي إلى التطور والنمو والتقدم.

وأستشهد هنا بما قاله ابن خلدون عن التغيير الاجتماعي حينما تحدث عن المراحل التي تمر بها الدول والتغيرات التي تنتهي إليها المجتمعات وأبان أنه إذا سيطر الترف على مجتمع ما كان ذلك مؤذنا بضعفه وعجزه عن مدافعة عدوه، أو فشله أمام ضغوط الحياة.

وكذلك ما قاله مالك بن نبي والذي اعتبر أن التغيير الاجتماعي عملية بنائية تستهدف إقامة حضارة بواسطة نظام من العلاقات الاجتماعية، فالتغيير الاجتماعي بالضرورة من صنع الأشخاص، والأفكار، والأشياء جميعاً، ويفرق مالك بين التغيير الاجتماعي والتغير الاجتماعي، فيرى أن التغيير يتجلى من خلال تدخل الإنسان بالتخطيط، أما التغير فهو ظاهرة تلقائية وتشمل التغير نحو الأسوأ أو الأفضل.

نحن ننشد التغيير، واعتقد أن الدكتور البرادعي يصلح أن يكون جزء من منظومة التغيير، أو الشخص الذي يحرك عجلة الإصلاح أو دينامو للإصلاح، بغض النظر عن كونه سيشغل مقعد الرئاسة أم سيشغله غيره، فهذا له شروط أخرى يجب أن تتوافر في شخصية الرئيس المقبل لمصر.

الأربعاء، 3 مارس 2010

الحكام العرب.. والعداء الغربي للإسلام!

بارعون نحن في التهرب من المواجهة، ناجحون بدرجة امتياز في إخفاء رؤوسنا بالرمال.. نعلم يقينا ما يحيق بنا من أزمات ويخطط لنا من مكائد، لكننا نتغافل عنها وكأننا لا نراها مع أننا نعيش فيها وتعيش من حولنا.. أفلا نقرأ التاريخ لندرك أن ما يحدث ما هو إلا سلسلة متتالية من المكائد التي تحاك ضد المسلمين؟ هل نحن في حاجة إلى من يذكرنا دائما بموقف الآخرين منا على امتداد التاريخ!
ألم يقل اللورد كرومر أول حاكم بريطاني في مصر : إن مهمة الرجل الأبيض الذي وضعته العناية الإلهية على رأس العالم هي تثبيت دعائم الحضارة المسيحية إلى أقصى حد ممكن بحيث تصبح هي الأساس في العلاقات بين الناس و إن كان من الواجب منعا من إثارة الشكوك ألا نعمل على تنصير المسلمين و أن نراعي المظاهر الزائفة للدين الإسلامي كالاحتفالات الدينية و ما شابه ذلك.
هكذا تحدد في بدايات القرن العشرين الهدف الاستعماري بكل وضوح و هو اجتثاث الإسلام من نفوس الناس من قلوبهم وعقولهم و إحلال قيم الفكر الغربي العلماني بدلا منها.. ولقد طبق الحاكم الإنجليزي هذه الرؤية فقال عندما قدم إلى مصر كحاكم عسكري لها عن طريق بريطانيا "جئت إلى مصر لأمحو ثلاثا : القرآن والكعبة والأزهر".
أما كبير المبشرين زويمر فقد قال في كتاب "الغارة على العالم الإسلامي" أن تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم، ومن بين صفوفهم، لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها، (أليس حكامنا إلا تطبيق عملي لهذه النظرية!).
وفي كتابه "الإسلام في وجه التغريب" يؤكد زومير "إن الغاية التي نرمي إليها إخراج المسلمين من الإسلام ليكون أحدهم إما ملحداً أو مضطرباً في دينه، وعندها لا يكون مسلماً له عقيدة يدين بها، ولن يكون للمسلم من الإسلام إلا الاسم"!.. هل نحن في حاجة لأمثلة مما حولنا تؤكد أن هذه الغاية صارت حقيقة لا مجرد أمنيات.
ويقول المستشرق جيب في كتابه "وجهة الإسلام" إن تغريب الشرق إنما يقصد به قطع صلة الشرق بماضيه جهد المستطاع، في كل ناحية من النواحي حتى إذا أمكن صبغ ماضي الشرق بلون قاتم مظلم يرغب عنه أهله فقدت شعوب الشرق صلتها بماضيها ففقدت بذلك أعظم جانب من حيويتها!
أليس هذا ما يحدث الآن!.. هل نحن في حاجة إلى مزيد من الأدلة لنثبت أن ما يحدث اليوم هو استمرار لما أحيك بالأمس، من المؤكد أننا جميعا نؤمن بذلك، لكن بعضنا كالنعام يدفن رأسه في الرمال معتقدا أن لا أحد يراه، وهذا ليس بغريب عنا، فالنعام أصله عربي وهو مثلهم طائر عشبي ضخم تأقلم مع العيش تحت ظروف الصحراء القاسية وسماه العرب قديماً "الطائر الجمل" وهو محدود الذكاء فحجم المخ حوالي ثلثي حجم إحدى عينه، ومن العجيب أن الغرب يستفيد منه بشكل غريب الآن حيث يدخل في صناعة أدق الأجهزة الإلكترونية الحساسة لتمتعه بخاصية الكهرباء الساكنة!.. لا أسكن الله لنا جسدا عند الدفاع عن الحق والدين، وندعوه ألا يجعلنا فريسة سهلة يلوكها الآخرين دون أن يجدوا لها، على الأقل، "مرارة" بداية من كرومر ومن كان قبله إلى من يأتي بعده ومرورا بكل أشكال الاستعمار التي تستهدف ديننا ووطننا وحياتنا.

السبت، 27 فبراير 2010

الأب الروحي


هل تعرفون صاحب "الحق المر"؟، إنه الأب الروحي لكل أبناء جيلي من المسلمين؛ إنه الشيخ محمد الغزالي رحمة الله والذي ولد عام 1917 وتوفي عام 1996 وهو يجاهد في سبيل نصره الإسلام المعتدل، توفي بمدينة الرياض في المملكة العربية السعودية ودفن في أطهر بقاع الأرض بمنطقة البقيع في المدينة المنورة مع الصحابة والشهداء.
عرفت الشيخ محمد الغزالي قبل أن ألقاه؛ من خلال مقالات الحق المر التي كان يكتبها بمداد قلبه ولا يخشي فيما يقول إلا الحق سبحانه وتعالي؛ فلما عملت بالصحابة تشرفت بلقائه أكثر من مرة حتى صرت ضيفا مستديما في بيته وعلى صلة بأفراد أسرته.
كنت أسعى لمحاورته لا لكي أنفرد بحوار معه تنشره صفحات الجرائد، بل قبل ذلك وبعده، لكي استزيد من علمه وأتعلم من فقهه، كنت أنصت إليه لأتعلم كيف أتكلم، وأنظر إليه ليمتلئ وجداني بنور إيمانه، فقد كان يرحمه الله من هؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم (نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، يقولون ربنا أتمم لنا نورنا وأغفر لنا إنك على كل شيء قدير).
كما كنت من أكثر المعجبين بآرائه حين يتكلم عن الأخلاق وبالأخص حين يمزج ما يقول بنظرته إلى أسلوب الحكم وأخلاق الساسة والحكام.
كان يقول إن "الحكم تعاون على طاعة الله وإسلام الوجوه إليه والتزام حدوده ووصاياه ,لا ولاء هناك لشيء آخر ولا تجمع إلا في هذا الاتجاه, فإذا ارتد عنه ,أحد انقطع حبله بالجماعة، والحاكم عندنا باسم الله يأمر وينهى لا بأي اسم آخر".
وحين تحدث عن نظام الديمقراطية في عصرنا قال إن "له لجان وأجنحة وشعب كثيرة ,وخلاصته النقية المحترمة ضمان بقاء الشورى وتقليم أظافر الفرد المستبد، وقد لمسنا هذه الخلاصة في الشورى الإسلامية الأولى مع مظهرها الساذج وأدواتها البدائية، وقد أحكم الغربيون الحراسة على صور الديمقراطية التي اختاروها لأنفسهم، أحكموا الحراسة عليها فعلا وكان ينبغي أن نمزج بين مبادئ الشورى عندنا وبين ما استوردناه من آخر التجارب الأوربية فهل فعلنا؟
الذي حدث أن الهيكل المادي أقيم بدقه أما الروح اليقظان الواعي فانه لم ينقل لا من مواريثنا القديمة ولا من تجارب العالم الحديث, ومن هنا وقعت غرائب في عالم الدساتير وعالم القضاء.
وفي واحدة من مقالاته ربط بين أخلاق المسلمين والملكية العامة، فقال "ما أشد حب الناس للمال ,وما أحرصهم على جمعه, وما أسرعهم للاستيلاء عليه, لاسيما إذا كان مالا عاما أي ملكا للدولة، عندما فتحت فارس وسقط ملك الأكاسرة أرسل القائد الفاتح نفائس الإيوان إلى المدينة المنورة كانت أكواما من الذهب والجواهر في حقائب بعضها فوق بعض حملت من المدائن إلى دار الخلافة لم تنقص ذرة خلال آلاف الأميال، قال ابن جرير:
لما قدم بسيف كسرى ومنطقته مع بقية الكنوز قال عمر إن أقواما أدوا هذا لذووا أمانة فقال له على ابن أبى طال )انك عففت فعفت الرعية).
وكان أكثر ما يعجبني من الشيخ عدم انغلاقه ومزجه بين صحيح الدين وجوهرة وروح العصر الذي نعيش فيه، كان يعتبر أن عظمة الأمم قبل أن تكمن في أجهزتها التشريعية والتنفيذية تكمن في قدراتها النفسية والخلقية وما ينتجه الإيمان من مواهب وملكات، ونحن في العالم الإسلامي الكبير نحتاج إلى الأمرين كليهما ولا بأس علينا ونحن نعالج تخلفنا الإداري والحضاري أن نقتبس من كل تجارب الأرض شرقا وغربا لكن ذلك لا يغنى كثيرا عن الأحوال النفسية المصاحبة أي عن الإيمان والخلق, وكل صرح يرتفع خاليا من هذين العنصرين فهو صرح من ورق لا ينتظر المدافع لدكه بل سينهار مع هبوب الرياح.
وفى عصرنا الحديث تقاربت البلاد وتعارف الناس وتكشفت الأمم بمحامدها ومعايبها فماذا يرى العالم منا نحن المسلمون؟
هل يسير في أقطارنا سائح ويدرس أحوالنا ثم يعود إلى أرضه ليتحدث عن صدق الكلمة والوعد وعن رعاية الأمانة والعهد وعن شرف الخصومة بين الأفراد والجماعات؟
المؤسف أن عناصر النفاق تجد لها مرتعا خصيبا بيننا، ما ارخص الكلمة وما أضيع الأمانة وما أيسر اللعب بالعهود والعقود أما الفجور في الخصومة فأمر لا يعرف له حد, وتفسير هذه المحنة سهل, كيف تفسرها؟
يقول الله تعالى:
لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا .
الأمر الفرط هو السائب وعندما يكون الكلام سائبا والسلوك سائبا والتحرك غير ملتزم بغاية مرسومة ولا بخط محدد بل هو كترنح السكران, فمعنى هذا أن الأمة قد انفرط عقدها وتناثرت حباتها، ومما تنشأ هذه الفوضى؟ من إتباع الهوى وعيش كل امرئ داخل مآربه الخاصة مما ينشئ هذا الهوى المطاع وتلك الأنانية الغالبة ؟
وأمتنا الإسلامية تناست رسالتها العظمى في الداخل والخارج وأخلدت إلى الأرض وهبطت دون مستواها, والغريب أنها لما فقدت قوتها الخاصة والتحقت بالحضارات الغالبة شيوعية كانت أو رأس مالية التقطت من هذه الحضارات ما يوافق نسيانها لله, فكان إقبالها على الدنايا أشد غراما من غيرها, وقد تسبق هؤلاء وأولئك في الإسفاف والغفلة.
ويستحيل أن تصح لنا نهضة أو تسلم لنا عودة أو صحوة إلا ببناء أخلاقي متماسك صلب تشد العقيدة أوصاله وتشيع فيه فضائل الصدق والأمانة والوفاء والشرف أما أن ندعى الإسلام و أركان النفاق سامقة في مجتمعنا فأمر مستنكر مستكره، إن النظام الأخلاقي وراء كل عمل مثمر ونجاح معجب.
وعصر الآلات التي نعيش فيه يحسب الأعمال بالذرة وبالمليمتر ولا مكان فيه للتسيب المنفلت الذي يعرف الآن بين المسلمين ويعشش في سلوكهم .
رحم الله شيخنا محمد الغزالي الذي توفي مدافعا عن "الحق المر"، واستأذنه في أن أجعل من تلك الكلمات عنوانا لمدونتي فقد كان كما قلت "الأب الروحي" لكل من قرأ مقالاته واستمع لمحاضراته فما بالكم بمن صلى خلفه وأنصت إليه وأعجبه دستوره في الحياة المبني على الأخلاق المستوحاة من القرآن وأخلاق الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.